مولد سيدي السمان

﴿ قُدِّسَ سِرُّهُ ﴾ — مسجد سيدي الشيخ قريب الله – أم درمان

The text itself is in Arabic. These are devotional texts — Qur'anic verses, prayers and poetry — and translating them is the work of a qualified scholar, not of this website. An English translation will be published here when one has been made and checked.

Continue reading

بسم الله الرحمن الرحيم

حَمْدًا لِمَنْ أَطْلَعَ مِنْ مَطَالِعِ الْغُيُوبِ طَوَالِعَ الأَنْوَارِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَأَبْرَزَ فِي عَالَمِ الظُّهُورِ أَشِعَّتَهَا فَاسْتَنَارَتْ بِهَا الأَكْوَانُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالأُخْرَوِيَّةُ، وَشُكْراً لِمَنْ دَبَّجَ أَفْوَاهَ أَهَاضِيبِ أَنْدِيَةِ الْمَحَافِلِ وَالْمَشَاهِدِ بِأَنْوَارِ مَحْبُوبِهِ فِي مَسَاجِدِ السُّعُودِ وَسَائِرِ الْمَعَاهِدِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أُفْرِغَتْ فِي قَالَبِ الإِخْلاصِ، وَأُلْبِسَتْ مِنَ الصِّدْقِ حُلَّةَ الاخْتِصَاصْ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً نُورُ الْوُجُودِ، وَالسَّبَبُ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَشْرَفُ مَوْلُودٍ، شَهَادَةً أَرْقَى بِهَا عَنْ دَنِيِّ الْهِمَمِ إِلَى أَوْجِ الْمَعَالِي، وَأَكْرَعُ بِهَا مِنْ بِحَارِ فُيُوضَاتِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَأَبْلُغُ بِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى آمَالِي، وَأُصَلِّي بِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ صَلاةً يُحَاكِي عَرْفُهَا النَّفَحَاتِ الْمِسْكِيَّةَ، وَيُقَرِّرُ تُحَفَهَا ذَوُو النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ، وَآلِهِ الْفَاطِمِينَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ ثِمَارِ الشَّهَوَاتِ بِيَدِ الْعُجْبِ وَالاسْتِكْبَارِ، وَأَصْحَابِهِ الْقَاطِفِينَ بِأَنَامِلِ الْفُتُوَّةِ نَوْرَ الْفَخَارِ، وَأَسْتَدِرُّ مِنْ دَرِّ مُزْنِ فَتْحِهِمُ الْهَطَّالِ الْمُنِيفِ هِدَايَةً أَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى نَشْرِ أَعْلامِ الْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ، وَتَطْرِيزِ حِبَرِهِ الْمُحَبَّرَةِ بِالتَّحْبِيرِ وَالإِجْلالِ عَلَى مَمَرِّ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِ، جَالِياً خَمْرَتَهُ الْمُهَيِّجَةَ لِلنُّفُوسِ، لِيَحْسُوَهَا السَّامِعُونَ بِأَكْوَابِ الآذَانِ عِوَضاً عَنِ الْكُئُوسِ، نَاظِماً نَسَبَهُ الشَّرِيفَ فِي سِلْكِ عِقْدِ اللَّآلِئْ، رَاوِياً بَعْدَهُ إِسْنَادَ خَبَرِ مِيلادِهِ الصَّحِيحِ الْعَالِي:

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

فَأَقُولُ:

إِنْ لَدَيْكَ الْهُمُومُ بِالضَّيْمِ فَاءُواأَوْ جَفَاكَ الصَّفِيُّ وَالأَصْدِقَاءُ

أَوْ بِسُوحِ الْفُؤَادِ مِنْكَ امْتِحَاناًحَلَّ رَكْبُ الْخُطُوبِ وَالإِبْتِلاءُ

قُمْ سُحَيْراً بِذِلَّةٍ أَوْ بِطَرْفٍعَلَّهُ السُّهْدُ وَالْبُكَاءُ وَالْحَيَاءُ

وَتَوَسَّلْ بِمَنْ لَهُ فِي الْمَعَالِينَسَبٌ دُونَ شَأْوِهِ الاعْتِلاءُ

وَابْسُطِ الْكَفَّ فِي الدُّجَى بِانْكِسَارٍوَتَمَلَّقْ وَقُلْ لِتُعْطَى الْمُنَاءُ

يَا إِلَهِي بِخَاتَمِ الرُّسْلِ طَهَمَنْ بِهِ كَانَ لِلْوُجُودِ ابْتِدَاءُ

ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِالشَّهْمِ مَنْ لَهُ الانْتِهَاءُ

ابْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍمَنْ لِعُلْيَاهُ يَنْتَمِي الارْتِقَاءُ

ابْنِ ذُخْرِي قُصَيِّ بْنِي كِلابٍوَحَكِيمٌ إِسْمُهُ لَهُ الانْتِمَاءُ

ابْنِ لَيْثِ النِّزَالِ مُرَّةَ أَعْنِيابْنِ كَعْبٍ نَزِيلُ ذَا لا يُسَاءُ

ابْنِ ذِي السُّؤْدَدِ الأَثِيلِ لُؤَيٍّمَنْ لَهُ الْحَزْمُ شِيمَةٌ وَالْجِدَاءُ

ابْنِ ذِي الْفَخْرِ مَالِكِ بْنِ سُؤْلِيعَبْدِكَ النَّضْرِ مَنْ بِهِ الإِكْتِفَاءُ

ابْنِ ذُخْرِي كِنَانَةَ مَنْ أَبُوهُذُو الأَيَادِي خُزَيْمَةُ الْمِعْطَاءُ

ابْنِ حَامِي الذِّمَامِ مُدْرِكَةَ الْحِبْرِابْنِ إِلْيَاسَ مَنْ قِرَاهُ الْفِدَاءُ

ابْنِ ذِي الرَّأْيِ وَالنَّدَى مُضَرَ الْجُودِالَّذِي تَنْتَمِي لَهُ الْحَمْرَاءُ

ابْنِ حِبِّي نِزَارٍ ابْنِ مَعَدٍّابْنِ عَدْنَانَ مَنْ لَهُ الانْتِهَاءُ

يَا لَهُ فِي الْعُلَى وَأَوْجِ الْمَعَالِينَسَبٌ دَائِماً عَلَيْهِ الثَّنَاءُ

نَسَبٌ دُونَهُ السِّمَاكُ سُمُوًّاوَالثُّرَيَّا وَدُونَهُ الْجَوْزَاءُ

طَاهِرُ الذَّيْلِ مِنْ سِفَاحٍ نَقِيٌّوَمِنَ الرِّجْسِ لَمْ يُصِبْهُ الرِّدَاءُ

فَضْلُهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَأَيْضاًأَفْصَحَتْ عَنْ ثَنَائِهِ الشُّعَرَاءُ

كَيْفَ يَا صَاحِ لَيْسَ يَسْمُووَحَسْبِي فِيهِ طَهَ الْيَتِيمَةُ الْعَصْمَاءُ

مَظْهَرُ الْحَقِّ مَنْ مَعَانِيهِ كَلَّتْعَنْ عُلاهَا وَحَصْرِهَا الْبُلَغَاءُ

رُوحُ مِشْكَاةِ عَالَمِ الْكَوْنِ طُرًّامَنْ عَلَيْهِ تُعَوِّلُ الأَنْبِيَاءُ

رَبِّ زِدْنَا بِجَاهِهِ فِيهِ شَوْقاًكُلَّمَا ازْدَادَ وَجْدُنَا وَالْغَنَاءُ

وَأَرِنَا جَمَالَهُ حِينَ يُجْلَىعَلَّ يُجْلَى بِهِ الْجَفَاءُ وَالْعَنَاءُ

يَا إِلَهِي بِمَوْلِدٍ فِيهِ يُتْلَىتَعْشَقُ الرُّوحُ ذِكْرَهُ وَالْحَشَاءُ

مُنَّ مَنًّا بِأَمْنِ مَنْ مِنْكَ يَرْجُومِنَنَ الْعَفْوِ حِينَ تَدْنُو الْوَفَاءُ

وَامْنَحِ الْكُلَّ مِنْكَ يَا رَبِّ سِتْراًفَلَكَ الْكُلُّ مِنْكَ بِالْفَقْرِ جَاءُوا

وَصَلاةً مَعَ السَّلامِ دَوَاماًمَا تَغَنَّتْ بِأَيْكِهَا الْوَرْقَاءُ

تَغْشَى طَهَ وَآلَهُ ثُمَّ صَحْباًمَا تَرَامَتْ لِنَحْوِهِ النُّجَبَاءُ

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَلَمَّا أَرَادَ الإِلَهُ ظُهُورَ شَمْسِ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْعَلِيَّةِ الْمِقْدَارِ مِنْ مَطَالِعِ الْخَفَاءِ وَالاسْتِتَارِ، أَمَرَ جِبْرِيلَ الأَمِينَ بِقَبْضِ الطِّينَةِ مِنَ الْمَحَلِّ الْمَكِينِ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا وَالأَرَضِينَ، فَأَخَذَهَا وَوَلَجَ بِهَا جِنَانَ الإِطَاعَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَاقِفاً بِهَا بَيْنَ يَدَيِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، بَعْدَ غَمْسِهَا فِي أَنْهَارِ السَّعَادَةِ وَالتُّقَى، ثُمَّ فِي بِحَارِ الْبُشْرَى بِالظُّهُورِ وَالْبَقَا، ثُمَّ تَجَلَّى عَلَيْهَا الْحَقُّ فَانْتَقَلَتْ مِنْ صُورَةِ الطِّينِ إِلَى هَيْكَلِ النُّورِ، وَلَمْ يَزَلْ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ وَالْكَائِنَاتِ ذَاكِراً مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ بِالظُّهُورِ، وَأُلْهِمَتِ الْمَلائِكَةُ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ فَلَمْ تَبْرَحْ تَحْذُو حَذْوَهُ بِلِسَانٍ طَلْقٍ فَصِيحٍ، فَوُضِعَ فِي طِينَةِ آدَمَ وَكَانَ لَهُ رُوحاً وَحَيَاهْ، فَوَقَعَتِ الْمَلائِكَةُ سُجَّداً لَهُ عَلَى صُورَةِ الرُّكُوعِ لا عَلَى الْجِبَاهْ، وَأُهْبِطَ فِي صُلْبِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَبِهِ كَانَ خَلِيفَةً فِي طُولِهَا وَالْعَرْضِ، وَحُمِلَ فِي السَّفِينَةِ فِي صُلْبِ نُوحٍ الْجَلِيلْ، وَبِهِ أُعِيذَ مِنَ النَّارِ الْخَلِيلْ، وَبِبَرَكَاتِهِ فُدِيَ بِالذِّبْحِ الْعَظِيمِ إِسْمَاعِيلْ، وَكَافَّةُ الأَنْبِيَاءِ خُلِقُوا مِنْ نُورِهِ وَهُوَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ وَالدَّلِيلْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَلَمْ يَزَلْ سَارِياً فِي أَسَارِيرِ غُرَرِ السَّرَاةِ مِنْ آبَائِهِ ذَلِكَ النُّورُ، إِلَى أَنْ أَذِنَ اللهُ بِإِبْرَازِهِ فِي مَظَاهِرِ الظُّهُورِ، نُشِرَتْ أَعْلامُ الْفُتُوَّةِ عَلَى أَبِيهِ عَبْدِ اللهِ، وَنُودِيَ مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ تَهَيَّأْ لِمَا سَيَبْرُزُ مِنْكَ مِنْ نُورِ اللهِ، فَأَنْكَحَتْهُ الْقُدْرَةُ الْبَاهِرَةُ لِلْعُقُولِ مَخْطُوبَتَهُ مِنْ غَيْرِ سِفَاحٍ آمِنَةَ الْمَأْمُونَةَ سُلالَةَ الْفُحُولِ، فَظَهَرَتِ الأَنْوَارُ سَاطِعَةً فِي حُرِّ وَجْهِهَا، وَتَمَكَّنَ بَدْرُ النُّطْفَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي أَوْدِيَةِ رَحِمِهَا، وَاسْتَبْشَرَتِ الْكَائِنَاتُ بِوُفُودِ نَجَائِبِ السُّرُورِ، وَابْتَهَجَتِ الْمَخْلُوقَاتُ بِسَحِّ سَحَابِ غَيْثِ الْحُبُورِ، وَلَمْ تَزَلِ الأَنْبِيَاءُ تَتَرَدَّدُ عَلَى أُمِّهِ فِي أَشْهُرِ حَمْلِهِ إِعْلاناً بِإِظْهَارِ الْمَزِيَّةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ، وَكُلٌّ يَقُولُ لَهَا فِي عَالَمِ الْمِثَالِ وَالْمَنَامِ: يَا آمِنَةُ إِذَا وَضَعْتِيهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّداً عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَاسْتَمَرَّ حَمْلُهَا إِلَى تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى الْخِلافِ، وَلَمْ تَجِدْ ثِقَلاً وَلا وَجَعاً مِنْ حَمْلِ سَيِّدِ الأَشْرَافِ، وَفِي وَقْتِ مِيلادِهِ حَضَرَ عِنْدَهَا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَبَعْضٌ مِنْ حِسَانِ حُورِ الْجِنَانِ، فَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ وَاشْتَدَّ بِهَا نِطَاقُ الأَلَمِ (هنا محل القيام)

فَوَلَدَتْهُ

نُوراً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَمَجَّدَ وَعَظَّمْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَبَرَزَ وَاضِعاً عَلَى الأَرْضِ يَدَيْهِ إِشَارَةً إِلَى التَّوَاضُعِ مِنْهُ لِمَوْلاهُ، رَافِعاً رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللهُ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّهُ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذِي الْمَهَابَةِ وَالنُّورِ لِتُخْبِرَهُ بِبُزُوغِ شَمْسِ ابْنِهِ فِي سَمَاءِ الظُّهُورِ، فَأَقْبَلَ مُسْرِعاً سَاحِباً ذَيْلَ فَرَحِهِ وَالسُّرُورِ، فَنَظَرَ إِلَى سَمَاءِ طَلْعَتِهِ الْبَهِيَّةِ فَانْدَهَشَ مِنْ سَطَعَاتِ هَاتِيكَ الأَنْوَارِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، فَأَخَذَهُ وَدَخَلَ بِهِ جِنَانَ الْكَعْبَةِ الْغَرَّا، وَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَوْلاهُ وَأَرْدَفَ الْحَمْدَ شُكْراً.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَوُلِدَ نَظِيفاً كَحِيلاً دَهِيناً مَقْطُوعَ السُّرَّةِ مَخْتُونْ، وَخَفَقَتْ فِي الأَكْوَانِ أَعْلامُ ظُهُورِ سِرِّهِ الْمَكْنُونْ، فَرَمَقَتْهُ أُمُّهُ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، فَإِذَا سَطَعَاتُ أَنْوَارِهِ أَضْوَأُ مِنْ شَمْسِ الظَّهِيرَةِ، قَدْ أَضَاءَتْ بِهَا الْحَنَادِسُ وَقُصُورُ بُصْرَى وَالشَّامْ، وَخَرَّتْ هَيْبَةً لَهُ الأَوْثَانُ وَالأَصْنَامْ، وَأَصْبَحَتِ الْجَبَابِرَةُ مَكْسُورَةَ الْجَنَاحْ، وَمُنِعَتِ الشَّيَاطِينُ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ لَهَا مُبَاحْ، وَانْشَقَّ إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنَ الشُّرُفَاتْ، وَتَوَالَتْ بُشْرَى الْهَوَاتِفِ وَتَظَاهَرَتِ الآيَاتْ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ وَهِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ قُمْ وَهَمَدَانْ، وَفَاضَ وَادِي سَمَاوَةَ وَهِيَ مَفَازَةٌ لَمْ يَكُنْ بِهَا قَطْرُ نَدًى يَبُلُّ صَدَى الظَّمْآنْ، وَخَرِسَتْ أَلْسِنَةُ قَوْمِهِ وَذَهِلَتْ مِنْهُمُ الْعُقُولْ، وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تَخْمُدْ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ كَمَا هُوَ مَنْقُولْ، وَزُخْرِفَتِ الْجِنَانُ بِالْحُورِ وَالْوِلْدَانِ، وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ بِأَفْخَرِ الْحُلِيِّ إِعْلاناً لِعَظِيمِ الشَّانْ، وَانْبَلَجَتْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى بِبَدْوِ بَدْرِ السُّرُورْ، وَمَعْشَرُ الْمَلائِكَةِ بِتَرَادُفِ أَنْوَارِ الْحُبُورْ، وَأَمَرَ رِضْوَانَ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجِنَانْ، وَمَالِكاً بِغَلْقِ بَابِ النِّيرَانْ، إِكْرَاماً لِظُهُورِ هَذَا النُّورْ، وَبَرَزَتِ الْحَيَوَانَاتُ مِنَ النَّادِ وَالْفَنَا لابِسَةً خِلَعَ السُّرُورِ وَالْهَنَا، وَخَرَجَتْ كَافَّةُ الأَطْيَارِ مِنْ سَائِرِ الأَوْكَارِ لِتَشْتَمَّ عَرْفَ عَبِيرِ سَيِّدِ السَّادَةِ الأَبْرَارْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَمَوْلِدُهُ مَعْرُوفٌ بِأَعْلَى بِقَاعِ مَكَّةَ الْمَحْمِيَّةِ، وَكَانَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ عَامَ الْفِيلِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الأَقْوَالِ الْمَرْوِيَّةِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ سَوِيَّةً، ثُمَّ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أَبِي لَهَبٍ الأَسْلَمِيَّةُ، ثُمَّ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ بَعْدَ مَا رَدَّ ثَدْيَهَا غِلْمَانُ ذَوِي النُّفُوسِ الذَّكِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ حَلَّ بِفِنَاءِ دَارِهَا جُيُوشُ الضَّنَا وَالْبُؤْسِ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبُوسِ، فَاخْضَرَّ غُصْنُ عَيْشِهَا بَعْدَ الذُّبُولِ، وَظَهَرَ كَوْكَبُ سَعْدِهَا فِي سَمَاءِ الْحَيَاةِ بَعْدَ الاسْتِتَارِ وَالأُفُولِ، فَأَخَذَتْهُ وَدَخَلَتْ بِهِ عَلَى الأَصْنَامْ، فَخَرَّتْ سُجَّداً لَهُ وَقَبَّلَ هُبَلٌ رَأْسَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامْ، وَجَاءَتْ بِهِ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ لِتُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ وَالْتَصَقَ بِوَجْهِهِ الشَّرِيفِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَدَرَّ سَحَابُ ثَدْيِهَا بِدَرِّ وَبْلِ اللَّبَنِ الْغَزِيرِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلُ جَافًّا لَمْ يَسْمَحْ بِقَطْرَةِ طَلٍّ لابْنِهَا الصَّغِيرِ، وَنَادَاهَا مُنَادِي الْفَلاحِ: بُشْرَاكِ يَا حَلِيمَةُ بِسَيِّدِ الْمِلاحِ، فَرَكِبَتْ دَابَّتَهَا الْعَجْفَاءَ بَطِيئَةَ السَّيْرِ فَاسْتَسْمَنَتْ وَسَبَقَتْ دَوَابَّ الْقَافِلَةِ لِمَا نَالَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَوَصَلَتْ بِهِ إِلَى الْمَقَامِ، وَمَسَحَتْ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى ضَرْعِ الأَغْنَامِ، فَجَادَتْ سَمَاءُ زَوَايَاهُ بِمُزْنِ الأَلْبَانِ الْغِزَارِ، وَلَمْ يَكُفَّ وَكْفُ وَبْلِهِ الْهَطَّالِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِصْبَاحٌ فِي حِنْدِسِ الظَّلامِ إِلا نُورُ وَجْهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ وَهِيَ تَرْفَعُ مِقْدَارَهُ لِمَا مُنِحَهُ مِنَ الْمِنَنِ، وَهُوَ يَشُبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ الصَّبِيِّ فِي الشَّهْرِ عَلَى الدَّوَامِ، حَتَّى قَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فِي ثَلاثٍ، وَمَشَى فِي خَمْسٍ، وَفِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَعْرَبَ بِفَصِيحِ الْكَلامِ، وَفِيهَا شَقَّ صَدْرَهُ الْمَلَكَانِ، وَنَزَعَا مِنْهُ حَظَّ الشَّيْطَانِ، وَمَلآهُ بِالْحِكَمِ وَالْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَالْعِرْفَانِ، وَالْتَحَمَ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ بِقُدْرَةِ الْعَزِيزِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ لا يَشْتَكِي حَرَّ جُوعٍ وَلا أَلَمَ عَطَشٍ كَالصِّبْيَانْ، إِظْهَاراً لِتَمَيُّزِهِ عَلَى الأَقْرَانْ، ثُمَّ رَدَّتْهُ إِلَى أُمِّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَشَهْرٍ عَلَى الْمُخْتَارْ، فَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي النَّجَّارْ، وَفِي رُجُوعِهَا غَادَرَتْهَا بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِشِعْبِ الْحَجُونِ الْمَنِيَّةُ، وَحَضَنَتْهُ بَعْدَهَا حَاضِنَتُهُ أُمُّ أَيْمَنَ الْحَبَشِيَّةُ، ثُمَّ كَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ لابْنِي هَذَا شَأْناً عَظِيماً فَطُوبَى لِمَنْ صَدَّقَهُ وَانْتَمَى إِلَيْهِ، ثُمَّ عَمُّهُ الشَّفِيقُ أَبُو طَالِبٍ ذُو الْمَهَابَةِ وَالشَّرَفِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْبَنِينَ وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ وَبِحَقِّهِ اعْتَرَفَ، وَرَحَلَ بِهِ وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى الشَّامْ، وَفِيهَا عَرَفَهُ بُحَيْرَا الرَّاهِبُ بِمَا شَاهَدَهُ فِيهِ مِنْ أَوْصَافِ النُّبُوَّةِ فَشَهِدَ لَهُ بِعُلُوِّ الْمَقَامْ، وَقَالَ لِعَمِّهِ: احْتَفِظْ عَلَيْهِ مِنَ الْحُسَّادِ وَالْيَهُودِ، فَإِنَّ ابْنَكَ هَذَا نَبِيٌّ وَذِكْرُهُ مَحْمُودٌ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

ثُمَّ سَافَرَ فِي تِجَارَةٍ لِلسَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ مَعَ مَيْسَرَةَ غُلامِهَا لِنَحْوِ الشَّامِ الْمَحْمِيَّةِ، وَفِيهَا عَرَفَهُ الرَّاهِبُ نَسْطُورَا بِمَا حَوَاهُ مِنْ كَمَالِ الصِّفَاتِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَالَ لِمَيْسَرَةَ: عَلَيْكَ بِخِدْمَتِهِ بِالصِّدْقِ وَالْحَيَا، فَسَتَجْنِي مِنْ أَفْنَانِ نُبُوَّتِهِ ثِمَارَ الإِيمَانِ وَالْحَيَا، وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ وَالتِّجَارَةُ مُتَجَافِيَةٌ عَنْ مَضَاجِعِ الْخُسْرَانْ، بِقِيَامِهَا عَلَى سَاقٍ فِي سُوقِ الرِّبْحِ وَالأَمَانْ، وَشَاهَدَتْ خَدِيجَةُ فِي إِقْبَالِهِ عَلَيْهَا مِنْهُ الآيَاتْ، وَزَادَهَا مَيْسَرَةُ بِإِخْبَارِهِ لَهَا بِمَا رَآهُ فِي سَفَرِهِ مِنَ الإِرْهَاصَاتْ، فَرَغِبَتْ فِي رُكُوبِ جَوَادِ السَّيْرِ إِلَى قُرْبِهِ، وَخَطَبَتْهُ لِتَقْتَبِسَ مِنْ أَنْوَارِ مِشْكَاةِ صُبْحِهِ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ أَبُوهَا بِحَضْرَةِ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ ذَوِي الْمَنَاقِبِ، وَخَطَبَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَمُّهُ الشَّفِيقُ أَبُو طَالِبٍ، فَاتَّصَلَتْ بِهِ وَنَالَتْ بِبَرَكَتِهِ أَسْنَى الْمَطَالِبِ، وَكَانَ دُخُولُهُ بِهَا لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَلاثَةِ أَشْهُرٍ إِلا خَمْسَةَ أَيَّامٍ عَلَى الأَشْهَرْ، وَأَوْلَدَهَا جَمِيعَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ سِوَى الْمُسَمَّى بِاسْمِ الْخَلِيلِ الْمُعْتَبَرْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَلَمَّا بَلَغَ خَمْساً وَثَلاثِينَ سَنَةً بَنَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَضْعِ الْحَجَرِ الأَسْوَدْ، وَكُلٌّ مِنَ الْقَبَائِلِ أَرَادَ ذَلِكَ وَفِي طَلَبِهِ شَدَّدْ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْكِيمِ أَوَّلِ شَخْصٍ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ السَّلامِ، فَكَانَ أَوَّلَ قَادِمٍ مِنْهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ الأَمِينُ وَقَدْ رَضِينَا بِحُكْمِهِ وَعَدْلِهِ، فَوَضَعَ الْحَجَرَ فِي ثَوْبٍ وَأَمَرَ جَمِيعَ الْقَبَائِلِ بِحَمْلِهِ، فَرَفَعُوهُ إِلَى مَكَانِهِ الْمَنِيعِ، فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فِي مَوْضِعِهِ الرَّفِيعِ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَلَمَّا تَمَّ مِنْ عُمُرِهِ أَرْبَعُونَ مِنَ السِّنِينَ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى رَسُولاً إِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، بَلْ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ نُوَّابُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعَارِفِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ، كَيْفَ لا وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ فِي الدَّارَيْنِ قَدْراً، وَأَكْثَرُهُمْ هِمَّةً وَفَخْراً، إِذْ لَوْلاهُ لَمَا خُلِقَ مَلَكٌ فِي الأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ، وَلا طَلَعَ بَدْرٌ وَلا دَارَ فَلَكٌ فِي الْكَائِنَاتِ، أَسْرَى بِهِ مِنْهُ إِلَيْهِ لِيُظْهِرَ فَضْلَهُ الْمُخْلَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَنْهَلُّ سَحَابُ رَحْمَةِ التَّخْفِيفِ إِلَى خَمْسٍ بِثَوَابِ خَمْسِينَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَتِهِ، بَعْدَ دُنُوِّهِ إِلَى قَابَ قَوْسَيْنِ وَرُؤْيَتِهِ الْعَجَائِبَ وَالآيَاتِ، وَالتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ الْكَرِيمِ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَشُهُودِ الذَّاتِ، وَعَادَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَصَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ بِمَا أَخْبَرَ، فَكَانَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَاشْتَهَرَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ، وَتَبِعَهُ مَنِ انْهَلَّ عَلَى أَوْدِيَةِ جَنَانِهِ غَيْثُ حُبِّهِ وَشَاهَدَ عَيْنَ الْيَقِينِ، وَبَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ ثَلاثٍ وَسِتِّينَ مَضَتْ مِنْ عُمْرِهِ، نُقِلَ مِنْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى بَعْدَ انْقِضَاءِ وَطَرِهِ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَكَانَ وَجْهُهُ يَقْتَبِسُ مِنْ ضَوْئِهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَشَعْرُهُ كَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى وَاعْتَكَرَ، وَحَوَاجِبُهُ سَوَابِغُ مِنْ غَيْرِ قِرَانٍ، وَعَيْنَاهُ وَاسِعَتَانِ مَكْحُولَتَانِ بِكُحْلِ الشُّهُودِ وَالْعِيَانِ، وَاسِعُ الْجَبِينِ، مُفَلَّجُ الأَسْنَانِ، أَهْدَبُ الأَشْفَارِ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ قَدْ عَلَتْهَا سَحَائِبُ الأَنْوَارِ، عُنُقُهُ كَجِيدِ غَزَالٍ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، سَبْطُ الْكَفَّيْنِ، ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ، مَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ، شَعْرُهُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، لَمْ يَبْلُغْ شَيْبُهُ مِنَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ عِشْرِينَ، وَعَرَقُهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْمُتَنَاثِرِ الثَّمِينِ، يُصَافِحُ الْمُصَافِحُ بِيَدِهِ فَيَجِدُ فِيهَا سَائِرَ الْيَوْمِ رَائِحَةَ الْمِسْكِ الأَذْفَرْ، وَإِنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ صَبِيٍّ عُرِفَ مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَةِ بِشَذِيِّ الْعَرْفِ أَنَّهُ مَسَّهُ النَّبِيُّ الأَعْطَرْ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً، وَأَهْدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ طُرُقاً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، وَكَانَ يَخْدُمُ أَهْلَهُ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى، وَيَجْبُرُ خَاطِرَ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، وَلا يَحْتَقِرُ الْفُقَرَاءَ، وَلا يَهَابُ الأُمَرَاءَ، وَلا يُقَابِلُ أَحَداً بِمَا يَكْرَهْ، وَيَقْبَلُ الاعْتِذَارَ، وَيُقِيلُ الْعِثَارَ، وَيَرْكَبُ الْبَعِيرَ وَالْفَرَسَ وَالْبَغْلَةَ وَالْحِمَارَ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ وَالأَمَامَ، وَيَمْشِي مَعَ الأَصْحَابِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، وَيَقُولُ: دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ، وَعَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، وَأَحْرَمَ عَيْنَيْهِ غَالِبَ اللَّيْلِ مِنْ لَذَّةِ الْهُجُوعِ، وَآتَاهُ اللهُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ فِضَّةً وَذَهَباً، وَرَاوَدَتْهُ الْجِبَالُ الشُّمُّ بِأَنْ تَكُونَ لَهُ ذَهَباً فَأَبَى، وَكَانَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، وَيُطِيلُ الصَّلاةَ، وَيُقْصِرُ الْخُطْبَةَ، وَيَمْشِي مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْخُدَّامْ، وَيَكْرَهُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ، وَيُحِبُّ الطِّيبَ، وَيَأْلَفُ أَهْلَ الشَّرَفِ، وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضْلِ، وَمَنْ بِعُلُوِّ الْمِقْدَارِ كُلٌّ لَهُ اعْتَرَفَ، وَلا يَكْرَهُ اللَّعِبَ الْمُبَاحَ، وَيَمْزَحُ قَائِلاً حَقًّا، وَهُوَ أَشَدُّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا صِدْقاً، وَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، يَرْضَى لِرِضَاهُ وَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِ، وَيَصْفَحُ عَنِ الذَّنْبِ إِذَا كَانَ فِي حَقِّهِ وَسَبَبِهِ، وَوَقَعَ الاتِّفَاقُ عَلَى مَوْلِدِهِ وَمِعْرَاجِهِ وَقُدُومِهِ الْمَدِينَةَ وَوَفَاتِهِ وَهِجْرَتِهِ؛ يَوْمَ الاثْنَيْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَلَيْلَتِهِ.

يا ربِّ صلِّ على الذي لولاه ما كان الوجود بأسرهِ

موجودا طه الذي خصصته بمحاسن سلب الكليم

بها وهيم هودا اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه

هَذَا وَبَثُّ حَدِيثِ مَوْلِدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ لا تَكِلُّ مِنْ سَحِّ مُزْنِهِ الأَسْمَاعُ، وَلَكِنْ مِنَ التَّطْوِيلِ كَلَّتِ الْهِمَمُ وَقَلَّ الانْتِفَاعُ، فَلْنَرْفَعْ بَعْدَ كَمَالِ تَعْطِيرِ تَحْبِيرِ طِرْسِ الْمَوْلِدِ الشَّرِيفِ بِغَالِيَةِ الأَقْلامِ وَالتَّحْرِيرِ، وَحُسْنِ تَطْرِيزِ نَهَارِ قِرْطَاسِهِ الْمُنِيفِ بِطِرَاسِ ظَلامِ الإِمْلاءِ وَالتَّحْبِيرِ، أَكُفَّ الابْتِهَالِ وَالانْكِسَارِ، نَاصِبِينَ عَلَمَ حَاجَاتِنَا بَيْنَ يَدَيِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، جَازِمِينَ بِوُرُودِ نَجَائِبِ بُشْرَى الإِجَابَةِ، مُتَوَسِّلِينَ بِمَنْ شَرُفَتْ بِهِ رَحَارِحُ طَابَهْ، فَنَقُولُ:

اللَّهُمَّ يَا مَنْ هُوَ الْمُحِيطُ الْجَامِعُ، يَا مَنْ لا يَمْنَعُهُ مِنَ الْعَطَاءِ مَانِعٌ، يَا مَنْ لا يَنْفَدُ مَا عِنْدَهُ، وَأَرْسَلَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلائِقِ سَحَائِبَ جُودِهِ وَرِفْدِهِ، نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِجَاهِ نَبِيِّكَ الْمُصْطَفَى، وَبِآلِهِ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَا، كُنْ لَنَا مُعِيناً وَمُسْعِفَا، وَبَوِّئْنَا مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً، وَارْزُقْنَا بِبَرَكَتِهِ قَبُولاً وَعِزًّا وَشَرَفاً، اللَّهُمَّ انْظُرْ إِلَيْنَا بِعَيْنِ الرَّأْفَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ، وَالاخْتِصَاصِ وَالْوِلايَةِ، وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِنَبِيِّكَ الْمُخْتَارِ، وَآلِهِ الأَطْهَارِ، وَأَصْحَابِهِ الأَخْيَارِ، كَفِّرْ عَنَّا الذُّنُوبَ وَالأَوْزَارَ، وَاحْرُسْنَا مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ وَالأَخْطَارِ فِي السِّرِّ وَالإِجْهَارِ، وَمَتِّعْنَا بِرُؤْيَتِهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ يَسِيرِ الأَعْمَالِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَارْحَمْنَا بِقُدْرَتِكَ وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ غَفَّارٌ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ مُطَرِّزَ حِبَرِ مَوْلِدِ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُرَشِيَّ الْقَادِرِيَّ الْمَدَنِيَّ الشَّهِيرَ بِالسَّمَّانِ، مُشَاهِداً جَمَالَ ذَاتِكَ الْعَلِيَّةِ، بَاقِياً بِكَ عَلَى الدَّوَامِ، وَعُمَّ مَنِ انْتَمَى إِلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَأَخْدَانَهُ وَأَخْتَانَهُ وَأَرْحَامَهُ وَتَابِعِيهِ وَمُحِبِّيهِ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، اللَّهُمَّ وَنَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَمُخْتَارِكَ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالْحَمْدُ بِكَ لَكَ مِنْكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.