رياض الخيرات في مولد سيد السادات

تأليف الشيخ عبد المحمود بن الشيخ نور الدائم الطيبي (رضي الله عنهم أجمعين)

المؤلف: الأستاذ الشيخ عبد المحمود نور الدائم الطيبي

متابعة القراءة

يَا رَبِّ بِهِم وَبِآلِهِمعَجّل بِالنَّصْرِ وَبِالْفَرْجِ

أبرد للصدر من الحرجيا رب يثلج من فرج

وادخل فيه هواك لكييرقي بالسير علي الدرج

وامط للحجب وظلمتهابضياء النور المنبلج

للروح فخص بترقيةلرفيع الغيب المنذحج

وله فاسق من خمر شهودكشربا ليس بممتزج

واسكر للنفس وثبتهافي حال السكر علي النهج

ولها فابسط ولها فاطرببسماع كلامك لا الهرج

ولها فاحمي ولمصحبهافي السير اليك لدي الدلج

ولها فافتح ابواب هديوبها فالطف لأصير نجي

وعلي فمن بعافيةتسري في الجسم و في المهج

وكذاك بخلق طاهرةيفوح شذاها كالأرج

واجعل قلبي يا ربي مدا الساعات مضيئا كالسرج

وأملاه بحبك واغرقهفي عين الجمع المنبهج

في سر السر له مكنليصير من اكمل مندرج

وله فاصحب بكتابك معطريق غياث المنزعج

لأكون بذلك محتميامن غي مريد ذي عوج

وعلينا اصبغ ولنا فاصبغوعلينا افرغ وبنا فعج

لحماك الاشرف وأنزلنافي القرب إليك مدي الحجج

واعمر بالعلم بواطنناوبنور الشرع المنتهج

وعلي اخلع خلعا وبهالأخص محبا فيك شجي

لسني جمالك لي فاشهدبفؤاد خال عن سمج

واولج في الحان لصب فيكفني وبغيرك لم يلج

وأدر يا ساقي هناك لهكأسا للقرب له يهج

ليكون بذلك مقترباممن له أقرب من ودج

وبسيف العزة قلدهوبه فأشرح لذوي الحرج

وعلي فمن بمعرفةتقوي في الحق بها حججي

وبوصل الوصل فخصصهوبنور النور المنتسج

وبغيب الغيب وباطنهوضياء طموسك ذي البلج

وبمحو المحو ومشهدهوورود محيطك ذي اللجج

لغطيطه لي فكذاك اسمعوهدير الموج المختلج

لجمال جلالك لي فابصرولخدر كمالك بي فعج

بفناء النفس فمن كذاوبقاء يطفئ للوهج

بقلائد رشدك قلدناوبصدق القلب مع اللهج

بمراقي الغيب بنا فاصعدلنروح إليك كذاك نجي

وأجعل في الارض طريقتناتفوح كروض مفترج

في درج هداتك لي فارسمورجال الجذب المنعرج

وبتاج العز لنا توجمع كامل فيض كالخلج

وإلي فقد من كان فتًيأو كان ألداً ذا لجج

ولباب اليسر لنا فافتحوأدم لسواه علي الرتج

ولنا حصن ولساحتنابمنيع عال من برج

من شر الخلق جميعهموحوادث تبدو كالسمج

ولبهرج من قصدوا فاطلعبالكشف لرد عند مجي

وكذاك اعصم لخواطرناعن حال الحمقى والهمج

للنفس فصن عن لجلجةوإذا ما الموت إلي يجي

ولنا فاقضي ولنا فارضيإذ نحن هناك إليك نجي

وكذاك هُنا بجميع هنييهني للجسم وللمهج

وبخرفج عيشك لي فانعموبمحو الاثم من الدرج

إذا الاعداء لنا قصدتللكل إهزم إذ حين تجي

وكذاك اذق من كان يزغعني للخزي مع الخدج

مولاي اتيتك منكسراًبمدامع تجري كاللجج

من خوف ذنوب محرقةبلهيب النار مع الوهج

وخلاف لي لسبيلك معوفاق النفس علي العوج

فأزل رباه لغمة مندعاك وفيك كذاك هجي

فعسي الألطاف تحف بهويزول بذلك كل دجي

ويفوز بسعد مقترنبعلي المجد مع الدرج

ويكون مداداً وهي بناتمد حروف ذوي الدلج

ويسيح الفيض علي إذامن ذاك العلو المنفرج

بجمال جلالك والاسماءوبسر الوصف المندرج

وبجاه رسولك احمدناسراج النور ابي السرج

ممد الكل وغوثهمفي الشدة والهم اللزج

وكذا الصديق خليفتهثبات القلب المختلج

بأبي حفص من كان حميللحق بحق منتهج

وبعثمان المرضي شهيدالدار الراضي المعتلج

بأبي الحسنين عليهموالصحب ذوي الحظ الفرج

بجميع فتي اضحي ثملًامن شربك سالك للنهج

أجب يا ربي لدعوتناوأخرج من ضيقك للفرج

وصلاة الله مع التسليمعلي صبح الهدي البلج

و الآل كذا وصحابتهما سار الركب علي السرج

أو لاح البدر لناظرناأو حلت شمس في برج

أو قال الناظم في ملأمحمود بقلب منزعج

مع حسن يقين حيث دعاأبرد للصدر من الحرج

اللوح الأول

أحْمَدُ

مَنْ أبْرَزَ مِنْ نُورِ جَمَالِ حَضْرَتِهِ الذَّاتِيَّه، نُوراً اقْتُبِسَتْ مِنْهُ حَقَائقُ الكَائنَاتِ وأشْكُرُهُ شُكْرَ مَنْ اسْتَأْنَسَ بِرِيَاضِ شُهُودِ تَجَلِّيَاتِهِ الْجَمَالِيَّه، وأَرْوَى الْبَصَائِرَ مِن شَرَابِ الاسْتِبْصَارِ بِمَطَالِعِ الْعِنَايَاتِ وأُصلِّي وأُسلِّمُ عَلَى مَنْ عُقِدَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ فِي الأَزَمَانِ الأزَلِيَّه، قَبْلَ خَلْقِ كُلَّ شَيْءٍ مِن الْمُكَوَّنَاتِ وَدَعَا الْخَلِيقَةَ عِنْدَ إِيجَادِ الأَرْوَاحِ وَبَدْءِ الأنْوَارِ إِلَى الْوَحْدَانِيَّه، كَمَا دَعَاهُمْ آخِراً فِي خِلْقَةِ جَسَدهِ الْحَاوِي لِجَمِيعِ الْكَمَالاتِ كَمَا يَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا وَغَيْرُهُ مِنَ الآيَاتِ وَقَوْلُهُ:صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَرْويَهِّ:{كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ}

وَفِي رِوَايَةٍ:{لا آدَمَ وَلا مَاءَ ولا طِينَ} فَيَا لَهَا مِن شَهَادَاتٍ فَلا رَيْبَ أَنَّهُ أَنْذَرَ الْخَلِيقَةَ أَجْمَعَ وَآمَنَ الْكُلُّ بِهِ فِي الأَولَِّيَّه، كَمَا آمَنَ بِهِ فِي الآخِرِيَّةِ بِلا اخْتِلافٍ بَيْنَ الْجَهَابِذِةِ الأَلِبَّاءِ الثِّقَاتِ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَلِّ من أُرُومَةِ الْبَلاغَةِ والْبَرَاعِةَ الْمُحْتَلِّ فِي بُحْبُوحَةِ النَّصَاحِةَ والْفَصَاحَةِ الْبَيَانِيَّه، الْكَاشِفِ لِلآلِئِ كُنُوزِ رُمُوزِ إشَارَاتِ طَلاسمِ الْمَعَانِي الْوَحْيِيَاتِ الرَّافِلِ فِي مُعَسْجَدِ دِيبَاجِ تَجَلِّيَّاتِ الأنْوَارِ الْقُدُسيَّه، الْمَكْسُوِّ حُلَّةَ القَبُولِ بَيْنَ الرُّوحَانِيَّاتِ والْجُسْمَانِيَاتِ الْمَبْعُوثِ لإقَامَةِ الْمِلَّةِ السَّمْحَةِ الْحَنِيفِيَّه، وَانْطِوَاءِ سِجِلِّ الشِّرْكِيَاتِ وَالْكُفْرِيَاتِ كَيْفَ لا وَقَدْ أَظْهَرَ الْحَقُّ تَعَالَى يَوْمَ مَوْلِدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ مِن الأنْبِيَاءِ الْقَبْلِيَّه، وَذَلِكَ مِنْ غُرَرِ الْبَرَاهِينِ الْفَاخِرَةِ وَالأنْوَارِ السَّاطِعَةِ والإرْهَاصَاتِ أَمْ كَيْفَ لا وَهْوَ السَّبَبُ فِي جَمِيعِ الْعَوَالِمِ الْوُجُودِيَّه، وَفِي حَدِيث:ِ{أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورَ نَبِيِّكِ يَا جَابِرُ} غُنْيَةٌ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الأحَادِيثِ الْوَارِدَاتِ وَعَلَى آلِهِ الْمُتَمَسِّكِينَ مِنَ الْحَقِّ بِأَمْتَنِ أَسْبَابِهِ الْقَويَهِّ، الْمُعَطَّرِينَ بِنَفْحَةِ عِطْرِ هِدَايَتِهِ بَيْنَ الْبَرِيَّاتِ وَأَصْحَابِهِ الرَّاقِينَ مَدَارِجَ مَعَارِجِ الْمَجْدِ النَّاهِجِينَ مَنَاهِجَ الْمَبَاهِجِ السَّعْدِيَّه، الْعَاصِرِينَ عُقُودَ الثُّرَيَّا بِأقْدَامِ مَفَاخِرِهِم الرَّفِيعَاتِ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مُتَمَسِّكاً بِشَرِيعَتِهِ الْمَرْضيَّه، شَارِباً مِنْ شَرَابِ مَحَبَّتِهِ أَصْفَى الرَّاحَاتِ صَلاةً وَسَلاماً يَدُومَانِ مَا تَرَنَّحَتْ بِسُلافِ أَنْبَائِهِ الأرْوَاحِ الْوَجْدِيَّه، وَبِمُطْرِبَاتِ الْحَنِينِ إلَى مَا ثَوَى فِيهِ مِنْ الرَّوْضَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الثاني

وَبَعْدُ فَقَدْ وَلِعَ الْخَاطِرُ بِتَأْلِيفِ مَوْلِدٍ يُتْلَى فِيمَا لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ مِن الأَنْبَاءِ الْمَوْلِدِيَّه، فَنَطَقَ لِسَانُ الشَّكْرِ بِتَسْمِيَتِهِ:{رِيَاضَ الْخَيْرَاتِ} فَأَقُولُ مُسْتَمِدًا مِنْ جَعْفَرٍ فُيُوضَاتِ أَسْرَارِهِ الإمْدَادِيَّه، مَدَدًا أسْتَعِينُ بِهِ عَلَى إبْرَازِ أبْكَارِ مَعَانِيهِ الْمُخَدَّرَاتِ جَالِيًا خَمْرَةَ أَسْرَارِ لَطَائِفَ غَرَائِبَ عَجَائِبَ أَسَالِيبِهِ الْبَدِيعِيَّه، لِيَحْسُوهَا السَّامِعُونَ بِأَوَانِي الآذَانِ عِوَضاً عَنِ الْكَاسَاتِ نَاظِمًا نَسَبَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ فِي سِلْكِ عِقْدِ لآلِىءَ دُرِّيَّه، رَاوِياً بَعْدَه إسْنَادِ خَبَرِ مِيلادِهِ بَأَلْطَفِ رِوَايَاتٍ إعَلْمْ أَنَّ شَرَفَ نَسَبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ لا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلائِلَ فِكْرِيَّه، لِصِيَانَتِهِ وَشَرَفِهِ وَظُهُورِهِ عَلَى الأَنْسَابِ الْقَبْلِيَاتِ والْبَعْدِيَاتِ وَفِي مَعْنَى قَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَهُ مِنْ الْكَمَالاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيِّه، وَشَرَفِ مَنْ يُعْزَى لَهُم مِنَ الآبَاءِ وَالأجْدَادِ وَالأُمَّهَات كَيْفَ لا وَهْوَ دَعْوَةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وَنَسْلُ الذَّاتِ الإسْمَاعِيلِيَّه، ونُخْبَةُ قُرَيْشٍ وَصَمِيمُهَا وَأشْرَفُ الْعَرَبِ السَّرَوَاتِ وأعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ آمَنِةَ الأَبِيَّه، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَكْرَمِ بِلادٍ أمَّهَا الْوَحْيُ مِن السَّمَاواتِ فَمَا أشْرَفَهُ مِن نَبِيٍّ اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ سَائِرُ الْخَلائِقِ الشَّرَفِيَّه، وَرَسُولٍ بَشَّرَ بِهِ الإنْجِيلُ وَنَوَّهَ بِذِكْرِهِ الزَّبُورُ وَالتَّوْرَاةُ فَهْو:َمُحَمَّدُ بِنُ عَبْدِ اللهِ مَطْلَعِ سَوَاطِعِ شُمُوسِ التَّجَلِّيَاتِ الْمُحَمَّديَهِّ،الْذِي أُكْرِمَ بالْحَيَاةِ وَالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ بَعَدِ الْمَمَاتِ ابْنُ عَبْد الْمُطَّلِبِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ بَيْنَ الجَحَاجِحَةِ الفِهْرِيَّه، الْمُشِيرِ بِتَرْكِ قِتَالِ أَصْحَابِ الْفِيلِ لِرَبِّ الْمُطَافَةِ فِي الأَرْضِ دُونَ غَيْرِهَا مِن الأَبْيَاتِ ابْنُ هَاشٍمِ الْجَامِعِ لِشَرَفِ الْوُجُوهِ الإحْسَانِيَّه،الشَّهْمِ الشَّهِيرِ بِهَشِمْ الثَّرِيدِ لِلنَّاسِ فِي الْمَجَاعَاتِ ابنُ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيٍّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَقَاصِيهِ عَنْ عَشِيرَتِهِ فِي بِلادِ قُضَاعَةِ القَصِيَّه، ابْنُ كِلابٍ وَاسْمُهُ حَكِيمُ بْنُ مُرَّةَ بْنُ كَعْبٍ بْنُ لُؤَيٍّ الناشر عَلَى كَاهِلِ الدَّهْرِ ألوية الْمَسَرَّاتِ ابْنُ غَالِبٍ بْنِ فِهْرٍ مَجْمَعِ الْبُطُونِ الْقُرَشِيَّه، وَمَا فَوْقَهُ كِنَانِيٌّ كَمَا جَنَحَ إلَيْهِ الْكَثِيرُ مِن الرَّوَاةِ ابْنُ مَالِكٍ بْنِ النَّضْرِ الْمَشْهُورِ بَيْنَ قَوْمِهِ بِالنَّضَارَةِ الذَّاتِيَّه، ابْنُ كِنَانَةَ الرَّاقِي فِي الْفَضْلِ ذُرَى الدَّرَجَاتِ ابْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ الَّذِي أَدْرَكَ كُلَّ فَخْرٍ وَعِزٍّ كَانَ فِي آبَائِهِ الأولِيَّه، ابْنُ إلْيَاسَ الَّذِي سُمِعَ فِي صُلْبِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَ اللهَ بِنَدِيِّ الأصْوَاتِ ابْنُ مُضَرَ الَّذِي تُعْزَى إلِيْهِ الْحَمْرَاءُ وتَغْتَدِي بِهِ تِلْكَ الشُّعُوبُ والْقَبَائِلُ الْحِجَازِيَّه، ابْنُ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ الْمُعَدُّ لِكَشْفِ الْمُلِمَّاتِ ابْنُ عَدْنَانَ ضِئْضئِ هَذِهِ السِّلْسلَةِ الذَّهَبِيَّه، وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ خِلافٌ، وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ رَفَعَ النَّسَبِ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ حَفِيلُ التَّحِيَّاتِ وَعَدْنَانُ بِلا رَيْبٍ عِنْدَ أُوْلِي الْمَعْرَفِةِ النَّسَبِيَّه، مِنْ ذُرِيَّةِ الذَّبِيحِ إسْمَاعِيلَ المُومَى إِلِيْهِ بِذَلِكَ عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ فِي الصَّافَاتِ وَهَذَا النَّسَبُ لَمْ يَكُنْ أَعْلَى وَلا أَشْرَفَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الأَنْسَابِ الْعَرَبِيَّه، وَفِي حَدِيثِ {إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ} حَسْبٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الاسْتِدلْالاتِ

نسب علي الانساب فاق فخاراورقي علي أوج الكمال جهارا

نسب له شرف ونور ظاهرفاق الشموس وأخجل الأقمارا

نسب تنزه عن سفاح أنهمن عهد آدم قد حلا أخبارا

نسب علي الجوزاء فاق مكانةًوغدا عبير ثنائه مطارا

نسب برود بيانه قد طرزتبمحمد من قد علا مقدارا

صلي عليه الله مولاه الذيأدناه منه وقد كساه وقارا

مع آله والصحب من قد عطروابحديث رفعة قدره الأقطارا

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الثالث

وَلَمَّا أرَادَ اللهُ ابْرَازَ الْحَقِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّه، مُكَملَّةً تَخْتَالُ بِخِلَعِ الْجَلالِ والْجَمَالِ مِنْ وَرَاءِ السُّرَادِقَاتِ نَظَرَ إلَى صَفَاءِ نُورِهِ الَّذِي خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ وَأَبْدَعَهُ بِحِكْمَتِهِ الأَزَلِيَّه، وَأَضَافَهُ تَشْرِيفًا إلَى عَظَمِةَ ذَاتِهِ الْمُتَعَالِيَةِ عَن الذَّوَاتِ اسْتَخْرَجَ مِنْهُ جُزْءً وَمِنْهُ ذَرَأَ سَائِرَ الْعَوَالِمَ الْخْلَقِيَّه، ثُمَّ أَوْقَفَهُ تَعَالَى بَيْنَ يِدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَاتِ يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ الْمَلائِكَةُ الْعُلْويَهِّ، فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ وَلأَجِلْهِ أَمَرَ الْمَلائِكَةَ لَهُ بِالسُّجُودِ كَمَا فِي مُحْكِمِ الآياتِ ثُمَّ أَهْبَطَهُ فِي صُلْبِهِ إِلَى الأَرْضِ وَجَعَلَهُ فِي صُلْبِ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ الْجَلِيَّه، وَبِهِ نَجَّى وَأَمَّنْ مَنْ آمَنْ بِهِ مِن الْهَلَكَاتِ وَفِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ حِينَ قُذِفَ بِهِ فِي النَّارِ النَّمْرُوذِيَّه، فَصَارَتْ عَلَيْهِ بِبَرَكَتِهِ بَرْدًا وَسَلامًا بَيْنَ الْفَرَاعَنِةِ الطُّغَاةِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِن الأصْلابِ الْكَرِيمَةِ إلَى الأرْحَامِ الطَّاهِرَةِ الزَّكِيَّه، إلَى أنْ انْتَقَلَ إلَى عَبْدِ اللهِ هِضَابِ الْمَكْرُمَاتِ فَأَنْكَحَتْهُ الْقُدْرَةُ الْبَاهِرَةُ لِلْعُقُولِ مَخْطُوبَتَهُ مِنْ غَيْرِ سِفَاحٍ آمِنَةَ الْفَتِيَّه، فَانْتَقَلَ إلَيْهَا هَذَا النُّورُ الْمُومَى إلِيْهِ مِن الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّاتِ وَكَانَ ذَلِكَ عَشِيَّةَ الْجُمْعَةِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ وَقِيلَ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الآخِرَةِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْوَاقِدِيَّه، فَلَمْ تَبْقَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ دَابَّةٌ إلَّا وَقَدْ قَالَتْ: حُمِلَ بِمُحَمَّدٍ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَالْبَرِيَّاتِ وَلا دَارٌ وَلا مَكَانٌ إلَّا دَخَلَتْ فِيهِ أَنْوَارٌ شُعَاعِيَّه، وَلا مَغْمُومٌ إلَّا وَقَدْ فُرِّجَتْ عَنْهُ الْغُمَّاتُ وَلا سَرِيرٌ لِمَلِكٍ مِن الْمُلُوكِ الملْليَّه، إلَّا وَنُكِّسَ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى الدَّمَارِ وَالشَّتَاتِ وَنَادَى مُنَادٍ فِي السَّمَواتِ وَالْبِقَاعِ الأَرْضِيَّه، ألَا وَإِنَّ النُّورَ الْمَخْزُونَ الْمَكْنُونَ الَّذِي يُتَكَوَّنُ مِنْهُ نَبِيُّ الرَّحَمَاتِ قَدْ انْتَقَلَ مِنْ خَزَائِنِ الأصْلَابِ الشَّرِيفَةِ إلَى كَنْزِ أَحْشَاءِ آمِنَةِ الزُّهْرِيَّه، الْمُخْتَصَّةِ مِن اللهِ بِسَبْقِ الْعِنَايَاتِ وَعُطِّرَتْ جَوَامِعُ الْقُدُسِ الأَعْلَى وَبُخِّرَت الْجِهَاتُ الْمَلكُوتِيَّه، وَفُرِشَتْ لِصُوفِيَّةِ الْمَلائِكَةِ فِي صُفُوفِ الصَّفَا سَجَّادَاتُ الْعِبَادَاتِ وَتَاهَتْ دَوَّابُ الْبَحْرِ فَرَحًا بِهَاتِيكَ الْخُصُوصِيَّه، وَفَرَّتْ وُحُوشُ الْمَشْرِقِ إلَى وُحُوشِ الْمَغْرِبِ بِالْبِشَارَاتِ وَكُسِيَتِ الأرْضُ بَعْدَ الْجَدْبِ بِحُلَلِ الأزْهَارِ النَّبَاتِيَّه، وَأَدْنَى الشَّجَرُ لِجَانِيهِ الثَّمَرَاتِ وَزُخْرِفَتِ الْجِنَانُ وَأَشْرقَتِ الْحُورُ بِحَالَةٍ اشْتِيَاقِيَّه، وَتَنَسَّمَتْ مِن رِيَاضِ السَّعْدِ لِلنَّاسِ نَسَمَاتٌ وَطَلَعَتْ كَوَاكِبُ سَعْدِهِ فِي سَمَاءِ الرِّفْعَةِ النَّبَويَهِّ، وَأذَّنَ مُؤَذِّنُ الْفَلاحِ قَائِلًا: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ وَتَلاشَتِ الضَّلَالَاتُ وَهَتَفَتْ بِذَلِكَ هَوَاتِفُ رَبَّانِيَّه، وَأُطْلِقَتِ الْعُقُولُ مِنْ سِجْنِ الْوَهْمِ وَقَيْدِ الْمُخَالَفَاتِ وَانْتُهِكَتِ الْكَهَانَةُ وَرُهِبَتِ الرَّهْبَانِيَّه،وَلَهَجَ بِخَبَرِهِ كُلُّ عَارِفٍ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الرابع

وَلَمْ تَشْعُرْ أُمُّهُ أنَّهَا حَمَلَتْ وَلَا وَجَدَتْ مَا يَعْرِضُ لِلنِّسَاءِ مِن الْمَشَاقِّ الحَمْلِيَّه، وَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا أَنَّهَا خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ جَمِيعُ الْجِهَاتِ وَإنَّمَا عَرَفَتْ حَمْلَهَا بِهِ بِإخْبَارِ مَلَكٍ أتَاهَا بَيْنَ الْيَقَظَةِ وَالْحَالَةِ النَّوْمِيَّه، قَائِلًا لَهَا: إنَّكِ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ الْعَالَمِ وَسِرِّ الدُّعَاةِ فِإذَا وَضَعْتِيهِ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا وَذَلِكَ مَعَ ارْتِفَاعِ حَيْضَتِهَا الظَّاهِرِيَّه، وَانْتِقَالِ النُّورِ إلَيْهَا مِنْ وَجْهِ عَبْدِ اللهِ كَامِلِ الشَّرَفِ والسَّيَادَاتِ وَتَوَجَّهَ عَبْدُ اللهِ لِيَمْتَارَ فَتُوُفِيَ عِنْدَ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ الْيَثْرِبِيَّه، وَلَهُ مِنْ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِن السَّنَوَاتِ وَذَلِكَ بَعْدَ أنْ مَضَى مِنْ حَمِلْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَانِ وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ وَقِيلَ سِتَّه، رِوَاَياتٌ سِيرِيَّةٌ، والأَكْثَرُ عَلَى الأُولَى مِن الرِّوَيَاتِ وَلَمْ تَزَلْ الأَنْبِيَاءُ تَتَرَدَّدُ إلَى أُمِّهِ تَرَدُّدَاتٍ تَبْشِيرِيَّه، حَاكِيَةً لَهَا مَا لَهُ مِنْ رَفِيعِ الْقُرْبِ وَشَرِيفِ الْكَرَامَاتِ وَلَمَا تَمَّ مِنْ حَمْلِهِ تِس عَةَ أَشْهُرٍ وَآنَ ظُهُورُ الرَّحْمَةِ الرَّحْمَانِيَّه، حَضَرَ أُمَّهُ آسِيَةُ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَبَعْضٌ مِن الْحُورِ الْمَقْصُورَاتِ وَنَزَلَتِ الْمَلائِكَةُ مِنْ أَوْطَانِهَا السَّمَاويَهِّ، وَحَفَّتْ بِأُمِّهِ حِلَقًا حِلَقًا لِتَحْجُبَهَا مِنْ الْعُيونِ الْعَائِنَاتِ وَنُشِرَتْ فِي عَالَمِ الْغَيْبِ بَوَارِقُ وَتَدَلَّتِ النُّجُومُ الزُّهْرِيَّه، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ نُورًا لِبُدُوِّ بَدْرِ فَلَكِ السَّعَادَاتِ وَأَخَذَ آمِنَةَ الْمَخَاضُ وَاشْتَدَّ بِهَا الطَّلْقُ فَوَلَدَتْ مُحمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ كَأنَّهُ الْبَدْرُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَدْرِيَّه، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمُشْرِقَاتِ

وهُنا يُسَنُ القِيَام

ولد الحبيب ولاحت الانواروالكون سر وفاحت الاعطار

وتنسمت نسمات مولده وقدولعت بها الانجاد والاغوار

وتبسمت زهر الرياض لأجلهوترنحت بفخاره الاطيار

لله من نور بدأ لعيونناسجدت لنور جماله الاقمار

فاقت علي كل الليالي يب بهوعلت عليها هيبة ووقار

ليب علي كل الليالي فضيلةشهدت بها الازمان والأعصار

ببدو بدر الكون آية مجدهمن منه كاسات السرور تدار

سر الوجود مُحَمَّدُ من قد أشرقتأنواره ونمت به الأنوار

وإبيضت الدنيا بطلعت وجههوتوالت الآيات والأخبار

وكفي بأن الكون سائره اهتديبهداه وإنقادت له الأخيار

صلي عليه الله مولاه الذيأعطاه ما فيه الوري تحتار

وكذاك آل والصحابة من بهمراق الزمان وولت الأكدار

هَذَا وَقَدْ اسْتَحْلَى الْقِيَامَ عِنْدَ ذِكْرِ مَوْلِدهِ أئِمَّةٌ كَوَاكِبُ دُرِيَّه، فَطُوبَى لِمِن كَانَ قِيَامُهُ تَعْظِيمًا لِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي تَنْشَرِحُ بِهِ الصُّدُورُ وَتَتِمُّ بِهِ الصَّالِحَاتُ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الخامس

رَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِسَنَدِهِ أنَّ آمِنَةَ عَلَيْهَا أَزْكَى التَّحِيَّه، قَالَتْ: لَمَّا وَضَعْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ رَأَيْتُ سَحَابَةً لَهَا أَنْوَارٌ وَضِيَاءَاتٌ أسْمَعُ فِيهَا صَهِيلَ الْخَيْلِ وَخَفَقَانَ الأجْنِحَةِ الْملَكِيَّه، وَكَلامَ الرِّجَالِ حَتَى غَشِيَتْهُ وَغَيَّبَتْهُ عَنِّي فِي نَحْوِ لَمْحَةٍ مِن اللَّمَحَاتِ وَسَمِعْتُ مُنَادِياً يُنَادِي: طُوفُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعَ الْجِهَاتِ الْعُلْويَّةِ وَالسُّفْلِيَّه، وَأعْرِضُوهُ عَلَى كُلِّ رُوحَانِيٍّ مِن الرُّوحَانِيَّاتِ وَأَعْطُوهُ خُلْقَ آدَمَ وَمَعْرِفَةَ شِيثٍ وَشَجَاعَةَ نُوحٍ، وَخُلَّةَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الْحَضْرَةِ الرَّبَّانِيَّه، وَرِضَا إسْحَاقَ، وَلِسَانَ إسْمَاعِيلَ، وَفَصَاحَةَ صَالِحٍ، وَمَا لِيُونُسَ مِنَ الطَّاعَاتِ وَجِهَادَ يُوشَعَ، وَصَوْتَ دَاوُدَ، وَحُبَّ دَانْيَال،َ وَمَا لِمُوسَى مِن الْقُوَّةِ الرُّسْلِيَّه، وَوَقَارَ إلْيَاسَ، وَعِصْمَةَ يَحْيَى، وَزُهْدَ عِيسَى، كَلِمَةُ اللهِ مِن الْخَلِيقَاتِ وَاغْمِسُوهُ فِي جَمِيعِ أَخْلاقِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ غَمْسًةَ تَخُلَّقِيَّه، لأنَّهُ هُوَ الْمُفِيضُ عَلَيْهِمْ وَالْمُخَلِّقُ لَهُمْ بِعَظِيمِ التَّخَلُّقَاتِ ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهُ فِإذَا بِهِ قَدْ قَبَضَ عَلَى حَرِيرَةٍ خَضْرَاءَ مَطْويَّه، فِإذَا بِمَاءٍ يَنْبُ عُمْنِ هَا كَثَ جَّاجِ الْمُعْصِرَاتِ وِإذَا بِقَائِلٍ يَقُولُ: بَخٍ بَخٍ، قَبَضَ مُحَمَّدٌ عَلَى الدُّنْيَا قَبْضَةً مُلْكِيَّه، لَمْ يَبْقَ خَلْقٌ مِن أهْلِهَا إلا وَدَخَلَ طَائِعًا فِي قَبْضَتِهِ وَخَرَجَ عَمَّا سِوَاهَا مِن الْقَبَضَاتِ ثُمَّ نَظَرْتُ إلَيْهِ فِإذَا بِهِ كَالْقَمَرِ وَلَهُ رَائِحَةٌ كَالرَّائِحَةِ الْمِسْكِيَّه، وَإذَا بِثَلاثَةِ نَفَرٍ لَمْ يَرَ الرَّاؤونَ مِثْلَهُمْ فِي حُسْنِ الْهَيْئَاتِ فِي يَدِ أَحَدِهِمْ إبْرِيقٌ مِن فِضَّةٍ وَفِي يَدِ الثَّانِي طَسْتٌ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وِفِي يَدِ الثَّالِثِ حَرِيرَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّه، فَنَشَرَهَا فَأَخْرَجَ مِنْهَا خَاتَمًا تَحَارُ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ دُونَهُ وَغَسَلَهُ مِنْ ذَلِكَ الإبْرِيقِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ خَتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَلَفَّهُ فِي تِلْكَ الْحَرِيرَةِ الْمَحْكِيَّه، ثُ مَّ احْتَمَلَهُ فَأدْخَلَهُ بَيْنَ أَجْنِحَتِهِ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيَّ كَأَنَّهُ الشُّمُوسُ الطَّالِعَاتُ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح السادس

وَمَوْلِدُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي دَارِ أَبِيهِ بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ فِي الطَّرَفِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْعِرَاصِ الْمَكِّيَّه، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الأثْنَيْنِ [اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّل]ِ عَامَ الْفِيلِ وَقِيلَ فِي يَوْمِهِ وَقِيلَ قَبْلَهُ وَقِيلَ بَعْدَهُ رِوَايَاتٌ وَنَزَلَ علَى يَدِ الشَّفَّاءَ أُمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَرَّةِ التَّقِيَّه، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى الأرْضِ رَافِعاً طَرْفَهُ إلَى السَّمَاوَاتِ وفِي ذَلِكَ مَا لا يَخْفَى لَدَى أصْحَابِ البَصَائِرِ النَّوْرَانِيَّه، مِنْ تَوَاضُعِهِ وَسُؤْدَدِهِ وإشَارَتِهِ إلَى مِعْرَاجِهِ وَخَلْوَةِ الْمُكَالَمَاتِ وَأرْسَلَتْ أمُّهُ لِجَدِّهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَهْوَ يَطُوفُ حَوْلَ الْبَنِيَّه، فَأَقْبَلَ مُسْرِعاً سَاحِباً ذَيْلَ فَرَحه لِيَكْتَحِلَ بِإثْمِدِ أنْوَارِ هَاتِيكَ الذَّاتِ وَوُلِدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَقِيلًا كَحِيلًا مُعَطَّراً بِنَفَائِسِ النَّفَحَاتِ الْعِطْرِيَّه، مَخْتُوناً وَقِيلَ خَتَنَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَابِعَ وِلادَتِهِ الْتِي انْجَلَتْ بِهَا عَنَّا الْغِشَاوَاتِ وَقِيلَ: جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ حِينَ شَقَّ صَدْرَهُ الَّذِي

هُوَ مَحَطُّ الْفُيُوضَاتِ الْوَحْيِيِّه، حَيْثُ كَانَ عِنْدَ مُرْضِعَتِهِ حَلِيمَةَ الَّتِي خَيَّمَتْ عَلَيْهَا السَّعَادَاتُ وَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أمِّهِ بِكَلِمَاتٍ إلْهَامِيَّه، وَهْي:َ{اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأصِيلًا}. وَقِيلَ عَلَى هَذَا زِيَادَاتٌ وَرَأَتْ أُمُّهُ حِينَ وَضَعَتْهُ أنَّهَا خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهُ الْحَنَادِسُ وَقُصُورُ الشَّامِ الْقَيْصَرِيَّه، كَيْفَ لا وَهْوَ النُّورُ الَّذِي كُوِّنَتْ مِن نُّورِهِ النَّيِّرَاتُ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح السابع

وَظَهَرَتْ يَوْمَ مَوْلِدِهِ عَجَائِبُ وَإرْهَاصَاتٌ لَمْ تَحْصُرْهَا الأقْلامُ الْبَنَانِيَّه، تُفْهِمُ أنَّ لِهَذَا الْمَوْلُودِ شَأناً عِنْدَ رَفِيعِ الدَّرَجَاتِ وَزُخْرِفَتِ الْجِنَانُ وَالْوِلْدَانُ وَالْحُورُ الْعِينِيَّه، وَاهْتَزَ الْعَرْشُ طَرَباً وَزَهَا الْكُرْسِيُّ عَجَباً وَضَجَّتْ بالتَّسْبِيحِ مَلائِكَةُ الْعُلْوِيَّاتُ وَانْبلَجَتْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لِبُدُوِّ فَخْرِ الْمِلَّةِ الإسْلامِيَّه، وَمَعْشَرُ الْمَلائِكَةِ بالأنْوَارِ الْقُدْسِيَّاتِ وَأُمِرَ مَالِكٌ بِغَلْقِ الأبْوَابِ النِّيرَانِيَّه، وَرِضْوَانُ بِفَتْحِ أبْوَابِ الْجَنَّاتِ وَحُرِسَتِ السَّمَاءُ وَرُدَّتْ عَنْهَا النُّفُوسُ الشَّيْطَانِيَّه، وَرُجِمَ كُلُّ رَجِيمٍ حَالَ مَرْقَاهُ بِالنُّجُومِ الشُّهُبِيَّاتِ وَخَرِسَتْ أَلْسُنُ قَوْمِهِ وَذُهِلَتْ مِنْهُمْ الْعُقُولُ الصَّدْرِيَّه، وَنَشَأَ فِيهِمْ بُغْضُ الأصْنَامِ

وَالْعُدُولُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِوَايَاتِ وَخَرَّتِ الصُّلْبَانُ وَالأَنْصَابُ لإشْرَاقِ نُورِ هَيْبَتِهِ الْجَلالِيَّه، وَتَوَالَتْ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ بُشْرَى الْهَوَاتِفِ وَتَظَاهَرَتِ الآيَاتُ وَخَمَدَتِ النِّيرَانُ الْمَعْبُودَةُ بِالأرْضِ الْفَارِسيَّه، وَكَانَ لَهَا أَلْفُ عَامٍ لَمْ تَخْمُدْ فِي وَقْتٍ مِنَ الأوْقَاتِ وَ انْشَقَ إِيوان كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعُ عَشْرَةَ شُرْفَةً مِنْ شُرُفَاتِهِ وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّه، وَفَاضَ وَادِي سَمَاوَةَ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ قَبْلُ مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ عَابِرٌ علَى هَاتِيكَ الْفَلَوَاتِ فَلَمَّا نَظَرَ كِسْرَى مَا حَدَثَ بِإيوَانِهِ مِنَ الْحَوَادِثِ التَّدْمِيرِيَّه، أَحْضَرَ مُوبَذَانَهُ وَهْوَ القَاضِي لِلْفُرْسِ فِيمَا لَدَيْهِمْ مِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِ فَقَالَ الْمُوبَذَانُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ إبِلًا صِعَاباً تَقُودُ خَيْلًا عَرَبِيَّه، قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلادِنَا ذَاتِ الْقُوَّةِ وَالنكاتِ وَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ وَافَاهُ الْخَبَرُ بِخُمُودِ النِّيرَانِ وَغَيْضِ الْبُحَيْرَةِ بَعْدَ هَاتِيكَ الْمِيَاهِ الْوُسْعِيَّه، فَجَمَعَ زُعَمَاءَ دِينِهِ وَسَألَهُمْ عَمَّا عْنِدَهُمْ مِنَ الآرَاءِ والتَّدْبِيرَاتِ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أنْ يَكْتَبَ لِلنُّعْمَانَ بْنِ الْمُنْذِرِ وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ مَكَانَةٌ وَمَزِيَّه، أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ عَالِمَ الْعَرَبِ الَّذِي يَكْشِفُ نَحْوَ هَذَا بَأَوْضَحِ عِبَارَاتٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عَبْدَ الْمَسِيحِ بْنَ عَمْرٍو أَحَدَ الأجِلَّةِ الْغَسَّانِيَّه، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: أعِنْدَكَ عِلمٌ بِمَا أُرِيدُ مِنَ الْمُرَادَاتِ فَقَالَ يُخْبِرُنِي الْمَلِكُ فِإنْ يَكُ عِنْدِي فِيهِ عِلْمٌ أخْبَرْتُهُ عَلَى فِطَانَةٍ عْقَلِيَّه، فَقَالَ: أُرِيدُ أنْ تَعَلَمَهُ قَبْلَ أنْ أُبْدِيهِ لَكَ بِتَلَفُّظَاتٍ فَقَالَ: هَذَا يَعْلَمُهُ خَالٌ لِي يَقَالُ لَهُ سَطِيحٌ بِالْبِلادِ الشَّامِيَّه، فَأَمَرَهُ أنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ وَيَسْألَهُ عَنْ ذِلَكَ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلَى الْمَمَاتِ فَرَفَعَ صَوْتَهُ يَقُول:ُ أصَمُّ أمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنْ

يَا فَاصِلَ الْخُطَّةِ أعْيَيْتَ مَنْ وَمَنْ فَقَالَ: جَاءَ عَبْدُ الْمَسِيحِ عَلَى جَمْلٍ مُشِيحٍ، أيْ

مُقْبِلًا كَمَا فِي الْكُتُبِ اللُّغَويَّه. بَعَثَكَ مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ لِخُمُودِ النِّيرَانِ، وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ، وَارْتِجَاجِ الإيوَانِ وَسُقُوطِ الشُّرُفَاتِ يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ إذَا بُعِثَ صَاحِبُ الْهِرَاوَةِ، وَغَاضَتِ الْبُحَيْرَةُ، وَظَهَرَتِ التِّلاوَةُ الْقُرْآنِيَّه، فَلَيْسَتِ الشَّامُ لَسَطِيحٍ شَامًا وَلا بَابِلُ لِلْفُرْسِ مُقَامًا يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَمَلِكَاتٌ عَلَى عَدَدِ الشُّرُفَاتِ وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ وَقَضَى سَطِيحٌ نَحْبَهُ وَعَادَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بِتِلْكَ الأَخْبَارِ السَّطِيحِيَّه، فَقَالَ أنُو شَرْوَانَ إلَى أنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةُ عَشَرَ عَسَى أنْ تَكُونَ أُمُورٌ وَحِكَاياتٌ فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ غَيْرُ هَنِيَّه، وَالْبَاقُونَ إلَى خَلافَةِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ مُؤَيَّدِ الْغَزَوَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الثامن

وَأَرْضَعَتْهُ أُمُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةَ أَيَامٍ سَويَهِّ، ثُمَّ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أبِي لَهَبٍ الَّتِي أَعْتَقَهَا حِينَ وَافَتْهُ عِنْدَ مِيلادِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبِشَارَاتِ ثُمَّ خَوْلَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ غَيْرُ حَلِيمَةِ الشَّهِيرِيَّه، ثُمَّ أُمُّ فَرْوَةَ، ثُمَّ أُمُّ أَيْمَنَ، ثُمَّ ثَلاثُ أَبْكَارٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَاتِكَةُ فَيَالَهُنَّ مِن مُرْض عَاتٍ وَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَرَاضِعُ مَكَّةَ أَخَذَتْهُ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّه، وَمَضَتْ بِهِ إلَى بَادِيَةِ بِنِي سَعْدٍ فَوَجَدَتْ لَهُ مَا لا يُحْصَى مِنَ الْخَوَارِقِ وَمَا لا يُعَدُّ مِنَ الْبَرَكَاتِ وَكَانَ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ يَشِبُّ فِي الْيَومِ شَبَابَ الصَّبِيِّ فِي الشَّهْرِ بِعِنَايَةٍ إِلَهِيَّه، فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فِي ثَلاثةٍ وَمَشَى فِي خَمْسَةٍ وَفِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَعْرَبَ بِفَصِيحِ اللُّغَاتِ وَقَدْ شَقَّ الْمَلَكَانِ صَدْرَهُ الشَّرِيفَ لَدَيْهَا وَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ وَهْوَ مَا تَقْتَضِيهِ الذَّاتُ التُّرَابِيَّه، وَغَسلاهُ بِالثَّلْجِ وَمَلآهُ بِالْحَكِمِ الْحَكِيمَاتِ وَالْتَأَمَ مِنْ غَيْرِ أَلَمٍ وَلَا خِيَاطَةٍ لأَنَّهُ مِنَ الْخَوَارِقِ التَّأيِيدِيَّه، وَخَتَمَاهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ وَخَلَعَا عَلَيْهِ خِلَعَ الْوَقَارِ وَبُرَدَ الْكَمَالاتِ وَوَزَنَاهُ فَرَجَّحَ بِأَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ الْخَيْرِيَّه، فَقَبَّلا رَأْسَهُ وَبَشَّرَاهُ بِمَا سَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ ثُمَّ رَدَّتْهُ إِلَى أُمِّهِ فَسَافَرَتْ بِهِ لِزِيَارَةِ أَخْوَالِ أَبِيهِ بَنِي عَدِيٍّ مِنَ الطَّائِفَةِ النَّجَّارِيَّه، بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الَّتِي هِيَ مُتَبَوَّؤُهُ وَمَعَاهِدُ الْبَرَاهِينِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَبَعْدَ رُجُوعِهَا وَافَتْهَا بِشِعْبِ الْحَجُونِ الْمَنِيَّه، وَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَحَسَنَ الْكَفَالَاتِ وَلَمَّا بَلَغَ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعًا أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَاتَ جَدُّهُ وَكَفَلَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ شَقِيقُ أَبِيهِ بِهِمَّةٍ وَحَمِيَّه، وَقَدَّمَهُ عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَلَمَّا بَلَغَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ بِهِ فِي تِجَارَةٍ إلَى الْبِلادِ الشَّامِيَّه، فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَى الرَّاهِبُ بِبُصْرَى عَرَفَهُ بِمَا لَهُ مِنَ الأَوْصَافِ الإنْجِيلِيَاتِ ثم قَالَ لَهُ ارْجِعْ بِهَذَا الْغُلَامِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ، فِإنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ لَيْسَ يُحْكَى فِيمَا مَضَى وَلَا فِيمَا هُوَ آتٍ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح التاسع

وَلَمَّا رَجَعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ مِن الشَّامِ سَأَلَتْهُ خَدِيجُةَ بِنْتُ خُوَيْلَدٍ الْقُرَشِيَّةُ الأَسَدِيَّه، أن يُسَافَرَ لَهَا فِي تِجَارَةٍ وَمَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ فَأَجَابَهَا نَبِيُّ التَّشْرِيعَاتِ فَلَمَّا عَادَ مَيْسَرَةُ حَدَّثَهَا بِمَا رَأَى لَهُ مِن الآيَاتِ وَمَا حَكَاهُ فِيهِ نُسْطُورُ رَاهِبُ النَّصْرَانِيَّه، حَيْثٌ جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةٍ لَدَى صَوْمَعَتِهِ مِنْ وَاضِحِ الْعَلامَاتِ وَأَنَّ مَلَكَيْنِ يُظِلَانِهِ فِي الآنَاءِ الْحَرِّيَّه، فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ لِتَرْقَى بِهِ عَلَى مَنَابِرِ الشَّرَفِ فِي حُضَيْرَةِ السَّعَادَاتِ فَتَزَوَّجَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْدَقَهَا عِشْرِينَ بَكْرَةً عُرَابِيَّه، وَكَانَ لَهُ إذْ ذَاكَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَلَهَا هِيَ أَرْبَعُونَ مِنَ السِّنِينَ الْقَمَرِيَّاتِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَهَا وَلا عَلَيْهَا وَأَوْلَدَهَا جَمِيعَ الْبَنِينَ وَالذُّرِّيَّه، إلَّا إبْرَاهِيمَ علَيْهِ السَّلَامُ فَإنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ الْمُهْدَاةِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح العاشر

وَلَمَّابَلَغَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ أرْبِعِينَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ الْقَمَرِيِّه، بَعَثَهُ اللهُ بِشِيرًا وَنَذِيرًا إلَى كَافَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فِي الشَّهَادَةِ التَّوْحِيدِيَّه، وَأَيَّدَهُ بِالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّامِغَةِ وَالأَلْفَاظِ النَّاصِعَةِ عَنْ شَوَائِبِ الرَّكَاكَاتِ وَحُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلاءُ فَكَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءٍ اللَّيَالِي الْعَدَدِيَّه، إلَى أنْ جَاءَهُ الْمَلَكُ بِصَرِيحِ الآيَاتِ فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ فَقَالَ مَا أنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّهُ غَطَّةً قَويَهِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ فَقَاَل مَا أنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّهُ غَطَّةً ثَانِيَةً حَتَى بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ النِّهَايَاتِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ فَقَالَ مَا أنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّهُ ثَالِثَةً ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَكَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إلَى

الْحَضْرَةِ الْمُصْطَفَويَهِّ، ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ ثَلاثِينَ شَهْرًا لِيَشْتَاقَ إلَى انْتِشَاقِ هَاتِيكَ النَّفَحَاتِ ثُمَّ أُنْزِلَتْ علَيْهِ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ عَلَى أَحَدِ الأَقْوَالِ التًرْتِيبِيًه، وَمِنْ ثَمً تَوَاتَرَ الأَمْرُ إلَى أنْ تَمً نُزُولُ الآيَاتِ الْقُرْآنِيًاتِ وَقَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الأقْوَالِ الْمَرْويَهِّ، لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبَ أَحَدِ الشُّهُورِ الْعَرَبِيَاتِ جَاءَهُ جْبِرِيلُ بِالْبُرَاقِ مُسْرَجًا مُلْجَمًا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ ملَكِيَّه، فَلَمَا دَنَا مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ مَنَعَ ظَهْرَهُ مُسْتَصْعِبًا بِنَفَرَاتٍ فَقَرَعَهُ جِبْرِيلُ بِأصْوَاتٍ مِنَ الْكَلِمَاتِ التَّأْدِيبِيَّه، قَائِلًا لَهُ: مَا رَكِبَكَ عبدأَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ مُحَمَّدٍ وَاسِطَةِ عِقْدِ النُّبُوَّاتِ وَعُمُومِ الدِّيَانَاتِ فَأسْرِيَ بِرُوحهِ وَجَسَدِهِ مِن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ذِي الرِّحَابِ الْقُدُسِيَّه، فَرَبَطَهُ بِالْحْلَقَةِ الَّتِي كَانَ يَرْبُطُ بِهَا النَّبِيُّونَ الْقَادَاتُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ بِالأنْبِيَاءِ أوْلِي السَّبْقِيَّه، وَذَلِكَ لِرِفْعَةِ مَكَانَتِهِ وَتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَجَالِي الشَّرَفِيَّاتِ ثُمَّ خَرَجَ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِإنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإنَاءٍ مِن لَبَنٍ فَاخْتَارَ اللَّبَنَ لاشْتِمَالِهِ علَى الْمَعَانِي الْخَيْرِيَّه، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ أَيْ الاسْتِقَامَةَ علَى الْهِدَايَاتِ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلَى السَّمَاءِ فَلَقِىَ فِي الأُولَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عُنْصَرَ الْعَوَالِمِ الْبَشَرِيَّه، وَفِي الثَّانِيَةِ ابْنَيْ الْخَالَةِ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَاءَ وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مُحْيِي الأمْوَاتِ وَفِي الثَّالِثَةِ يُوسَفَ بِصُورَتِهِ الْجَمَالِيَّه، وَفِي الرَّابِعَةِ إدْرِيسَ الَّذِي رَفَعَهُ اللهُ مَكَانًا عَلِيًّا كَمَا فِي مُحْكَمِ الآيَاتِ وَفِي الْخَامِسَةِ هَارُونَ وَفِي السَّادِسَةِ مُوسَى وَهْوَ الَّذِي رَدَّهُ إلَى تَخْفِيضِ الصَّلَوَاتِ الْفَرْضِيَّه، فَرَجَعَتْ الْخَمْسُونَ إلَى خَمْسٍ وَلَهَا ثَوَابُ الْخَمْسِينَ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَفِي السَّابِعَةِ إبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بِالتَّجَلِّيَاتِ الكُنْهِيَّةِ الذَّاتِيَّه، الَّذِي

يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ولا يَعُودُونَ إلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْمِيقَاتِ ثُمّ ذُهِبَ بِهِ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا عِلْمُ الْخَلائِقِ بِالْكُلِّيَّه، فَإذَا بَأرْبَعَةِ أنْهَارٍ يَنْبُعُ مِنْ أصْلِهَا نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنْهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَهُمَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ رَقَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ إلَى الْمُسْتَوَى ثُمَّ إلَى الْعَرْشِ ثُمَّ إلَى الْمَرْتِبَةِ الرَّفْرفَيَّه، ثُمَّ إلَى مَحَلٍّ تَعْجَزُ عَنْهُ الأفْهَامُ وَتَهَابُهُ النُّفُوسُ والْخَطَرَاتُ فِإذَا النِّدَاءُ مِنَ الْعَلَيِّ الأَعْلَى: ادْنُ يَا مُحَمَّدُ ادْنُ يَا أَحْمَدُ، ادْنُ يَا لِسَانَ الْعِزَّةِ الأَقْدَسِيَّه، فَدَنَا مِن رَبِّهِ كَقَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أدْنَى أيْ كَقُرْبِ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ وَفِيهَا غَيْرُ هَذَا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ وَرَأى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ رَبَّهُ بِعَيْنَيْهِ الرَّأْسِيَّه، بَعَدَ أنْ بسطَ لَهُ بُسُطُ الإدْلالِ فِي حُضَيْرَةِ الْحَضَرَاتِ وَهُنَاكَ قَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى مِنَ الأَسْرَارِ الظَّاهِرِيَّةِ والْبَاطنِيَّه، الَّتِي مِنْهَا مَا وَسِعَ الْمُلْكِيَّاتِ وَالْمَلَكُوتِيَّاتِ وَمِمَّنْ قَالَ بِرُؤْيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ السُّنِّيَّه، وَبِذَلِكَ اقْتَدَى ابْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الأكَابِرِ السَّادَاتِ فَعَادَ من لَيْلَتِهِ إلَى مَكَّةَ وَأَخْبَرَ قُرَيْشًا بِمَا رآَهُ مِنَ الآيَاتِ الشَّاهِدِيَّةِ وَالْغَيْبِيَّةِ، فَكَبُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَكَذَّبُوهُ وَصَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ فَاللَّهِ دَرُّهُ مِنْ صِدِّيقٍ حَسُنَتْ مِنْهُ الْبِدَايَاتُ وَالنِّهَايَاتُ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الحادي عشر

وَلَمْ يَزَلْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَابِراً عَلَى أذَى الْفِئَةِ الْجَاهِلِيَّه، فَيَدْعُوهُمْ وَيَدْعُو لَهُمْ فَهَدَى اللهُ مْنَهم من شَاءَ إلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ ثُمَّ أُذِنَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ بِالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُحَمَّديَّه، وَحِينَ خُرُوجِهِ تَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ذِي الْفَضَائِلِ وَالْكَرَامَاتِ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ سُرُورًا لِهَاتِيكَ الْخُصُوصيَّه، وَقَالَ: الصُّحْبَةُ يَا رَسُولَ اللهِ يَا صَادِقَ الْمَقَالاتِ وَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ وَكَانَ إذْ ذَاكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مَاهِراً فِي الْهِدَايَةِ السَّيْرِيَّه، فَمَضَيَا إلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلا فِيهِ وَقَدْ

حَمَتْ حِمَاهُ الْعَنَاكِبُ وَالْحَمَامَاتُ وَخَرَجَا مِنَ الْغَارِ بَعَدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ عَدَدِيَّه، وَمَعُهَمَا الدَّلِيلُ وَعَامِرُ ابْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَرَدِيفُهُ بَهَاتِيكَ الْمَسَافَاتِ وَجَاءَتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمْ وَلَحِقَهُمْ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَصَبِيَّه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ لأَبِي بَكْرٍ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَيَالَهَا مِن تَرْقِيَاتٍ

وَدَعَا عَلَى سُرَاقَةَ فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إلَى بَطْنِهَا فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ قَويَِّه، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ خَلِّصْنِي وَلَكَ أنْ أَرُدَّ عَنْكَ فَدَعَا لَهُ فَخَلُصَ بِبَرَكَةِ الدَّعْوَاتِ فَنَكَثَ وَعَادَ إلَى الطَّلَبِ فَدَعَا عَلَيْهِ فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ كَالْحَالَةِ الأولَِّيَّه، وَسَأَلَهُ الْخَلاصَ فَمَنَحَهُ إِيَّاهُ فَمَا أرْأَفَهُ مِن نَبِيٍّ لَا يُقَابِلُ السَّيِّآتِ إلَا بِالْحَسَنَاتِ وَرَجَعَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن لَقِيَهُ مِنَ الْوَثَنِيَّه، ارْجِعْ فَمَا لِمُحَمَّدٍ هُنَا خَبَرٌ وَلَا أَثَرٌ بَهَاتِيكَ الطُّرُقَاتِ وَاجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِأُمِّ مَعْبَدٍ بِقٌدَيْدٍ عَلَى الطَّرَفِ الشَّرْقِيِّ الَّذِي يَلِي الْمَدِينَةِ الْيَثْرِبِيَّه، فَقَالُوا لَهَا هَلْ مِنْ لَبَنٍ نَشْتَرِيَهُ مِنْكِ بِدُرْيْهِمَاتٍ قَالَتْ لَا، فَرَأى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ شَاةً خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الرَّعِيَّه، لَمْ يَضْرِبْهَا فَحْلٌ وَلَمْ يَقْطُرْ ضَرْعُهَا مِن اللَّبَنِ بِقَطَرَاتٍ قَالَ أَتَأْذَنِينَ فِي حْلَابِهَا فَأَذِنَتْ لَهُ فَمَسَحَ عَلَى ظَهْرِهَا وَفِي رِوَايَةٍ ضَرْعِهَا بِيَدهِ

الْمُبَاركَةِ الزَّكِيَّه، فَدَرَّتْ وَفَتَحَتَ رِجْلَيْهَا لِلْحِلابِ إِظْهَارًا لِمَا انْفَرَدَ بِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فَدَعَا بِانَاءٍ يَرْوِي مَن مَعَهُ مِنْ أَصَحَابه فَحَلَبَ فِيهِ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ ثَجًّا أَيْ بِقُوَّةٍ يَمِينِيَّه، حَتَى عَلَتِ اللَّبْنَ الرَّغْوَةُ فَسَقَى أُمَّ مَعْبَدٍ حَتَى رَوِيَتْ قَبْلَ تِلْكَ الْجَمَاعَاتِ ثُمَّ سَقَاهُمْ حَتَى رَوُوا وَكَانُوا رَهْطاً مَا بَيْنَ التِّسْعَةِ إلَى الأَرْبَعِينِيَّه، ثُمَّ شَرِبَ هُوَ مِن بَعْدِهِمْ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالتَّسْلِيمَاتِ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الأثْنَيْنِ ثَانِي عَشْرَ رَبِيعٍ الأوَّلِ مِن الْهِجْرَةِ النَّبَويَِّه، وَهَذَا ابْتِدَاءُ تَارِيخِ دَولَْةِ الإسْلَامِ الَّذِي اخْتَارَهُ عُمَرُ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الْهُدَاةُ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الثاني عشر

وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حِينَ بَلَغَهُمْ مَقْدَمُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن الدِّيَارِ الْحَرَمِيَّه، يَخْرُجُونَ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلادِهِمِ يَنْتَظِرُونَ لِقَاءَهُ عَلَى مَدَامِعَ سُرُورِيَاتٍ وَكَانَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ حَتَى يَحْرِقُهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ النَّهَارِيَّه، فَهَنِيئًا لَهُمْ بِتِلْكَ النِّيَّاتِ الصَّافِيَاتِ فَلَمَا رأَوْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَامَوُا عَلَى أَقْدَامِهِ الْحُسنِيَّه، وَقَدْ أَسْبَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى الْخُدُودِ الْعَبَرَاتِ فَنَزَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ بِقُبَاءَ وَأَقَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الأثْنَيْنِ إِلَى الْخَمِيسِ أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْبُخَارِيَّه، وَعْنْ أَنَسٍ كَانَتْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَقَدْ مَالَ إِلَيْهَا الْكَثِيرُ مِن الرُّوَاةِ وَأَسَّسَ مَسْجِدَهَا بِأَوَامِرَ رَبَّانِيَّه، وَهْوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ علَى التَّقْوَى مِنْ أَوْلِ يَوْمٍ كَمَا فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ فَمَا مَرَّ عَلَى دُورٍ مِن دُورِ الأنْصَارِ إلَّا اعْتَرَضُوا نَاقَتَهَ بِمَوَدَّةٍ قَلْبِيَّه، وَقَالُوا هَلُمَّ إلَى الْعَدِدَ وَالْعُدَّةِ يَاخْيَرَ الْبَرِيَّاتِ وَهْوَ يَقُولُ خَلُّوا سَبِيلَهَا إلَى أنْ وَصَلَتْ مَوْضَعَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مِرْبَداً لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ وَهُمَا مِن النَّجَّارِيَّه، فَنَزَلَ عَنْهَا وَأَقَامَ بِمَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ إلَى أنْ بَنَي الْمَسجِدَ وَمَا لأَزْوَاجِهِ مِن الْحُجُرَاتِ وَرُوِيَ أنَّ تُبَّعًا قَدْ ابْتَاعَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ مَوْضَعَ هَذَا الْمَسْجِدِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ بِأَلْفِ سَنَةٍ تَارِيخِيَّه، وَأنَّهُ لَمْ يَزَلَ فِي ملْكِهِ مُنْذُ ذَلِكَ الْعَهْدِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُهُ الَّذِي وَصلَ إِلَى رسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَدِ بَعْضِ الثِّقَاتِ وَكَانَ عِنْدَ دُخُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَ دْ صَعَدَتْ ذَوَاتُ الْخُدُورِ علَى الأسْطِحَةِ الْعَلِيَّه، يَقُلْنَ قَوْلَهُنَّ "طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا" الأَبْيَاتِ الشِّعْرِيَّاتِ وَفَرِحَتِ النُّفُوسُ بِقُدُومِهِ فَرْحَةً حُبِيَّه، وَأَشْرَقَتْ الأنْوَارُ وَفَاحَتِ الأَعْطَارُ وَغَوالِي الْمَسَرَّاتِ ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَدَ أنْ بَنَى الْمَسْجِدَ وَمَسَاكِنَهُ السنِيَّه، قَدْ جَهَزَ دَائِرَةَ أَصْحَابِهِ وَدَمَّرَ حِزَبَ الشَّيْطَانِ بِالْمُكَافَحَاتِ وَالْمُنَاضَلاتِ وَأَظْهَرَ الإسْلَامَ فِي الْجِهَاتِ الدَّانِيَةِ وَالْقَصيَّه، حَتَى خَرَّتِ الْقَبَائِلُ عَلَى الأَذْقَانِ سُجَّداً لآيَاتِ بَيَانِهِ الْبَيِّنَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الثالث عشر

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّماً يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلؤ الدَّائِرةِ الْقَمَرِيَّه، أَبْيَضَ اللَّوْنِ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ أَنْجَلَ الْعَيْنَيْنِ أَشْكَلَهُمَا أَهْدَبَ الأَشْفَارِ أَبْلَجَ الْوَجَنَاتِ مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ وَاسِعَ الْفَمِ وَالصَّدْرِ الَّذِي هُوَ مَحْ طُ الأَسْرَارِ التَّنْزِيلِيَّه، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ أَزَجَّ الْحَاجِبَينِ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ جُلَّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَاتُ أَقْنَى الأَنْفِ عَظِيمَ الرَّأْسِ كَثَّ اللِّحْيَةِ، شَعْرُهُ إِلَى الشَّحْمَةِ الأذْنِيَّه، شَيْبُهُ مِن رَأْسِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ شَيْبَةً وَلَيْسَ فِي عَنْفَقَتِهِ مِنْهَا إلَّا خَمْسُ شَعْرَاتٍ عَظِيمَ الْمَنْكِبَيْنِ عَبْلَ الْعَضُدَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالأَسَافِلِ السَّاقِيَّه، سَائلَ الأَطْرَافِ ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ رَحْبَ الرَّاحَةِ رُوحَانِيَّ الْخْطُوَاتِ رِبْعْةَ الْقَدِّ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ مِن الذَّوَاتِ الإِنْسَانِيَّه، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يمَاشِيهِ أَحَدٌ يُنْسَبُ إِلَى الطُّولِ إلَّا طَالَهُ فَحَبَّذَا مِن نَبِيٍّ سَمَا عَلَى سَائِرِ الذَّوَاتِ إذَا افْتَرَّ ضَاحِكاً افْتَرَّ عَنْ مِثْلِ سَنَا الْبَرْقِ أَوِ الْحُبُوبِ الْغَمَامِيَّه، وَإِذَا تَكَلَّمَ رئ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ فَسُبْحَانَ مَنْ زَيَّنَهُ بِالْمَحَاسِنِ الْوَاضِحَاتِ أَحْسَنَ النَّاسِ عُنُقاً لَيْسَ بِمُطَهَّمٍ وَلَا بِمُكَلْثَمٍ وَلَا بِنَاحِلٍ وَلا بِمُنْتَفِخِ الْجُسْمَانِيَّه، وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتِمِ النُّبُوَّةِ فَطُوبَى لِمَن نَظَرَهُ عَلَى ثَبَاتٍ يَخْطُو تَكَفُّئًا وَيَمْشِي هَوْناً ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ الْقَدَمِيَّه، إذَا مَشَى كَأنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعاً بَأحْسَنَ الْتِفَاتاتٍ وَكَانَ يُصَافِحُ الْمُصَافَحَ بِيَدِهِ فَيَظَلُّ يَوْمَهَا يَجِدُ رَوَائِحَهَا الْمِسْكِيَّه، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الصَّبِيِّ فَيُعْرَفُ مِن بَيْنِ الصِّبْيَانِ بِرَوَائِحِهَا الْعِطْرِيَاتِ وَكَانَتِ النِّسَاءُ تَأْخُذْ مِنْ عَرَقِهِ فَتَجِدْهُ أَطْيَبَ مَّا عِنْدَهُنَّ مِن النَّفَحَاتِ الْعَنْبَرِيَّه، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ. وَلا أَحَدٌ يَرَاهُ إِلَى أنْ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الرابع عشر

وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً وَتَوَاضُعاً مَعَ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِنْ دَرَجَاتِ الرِّفْعَةِ الْفَرْدِيَّه، يَرْقَعُ ثَوْبَهُ وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَعْقِلُ الْبَعِيرَ وَيَعْلِفُ نَاضِحَهُ بِلا نَظَرٍ لِغَيْرِهِ وَلا الْتِفَاتٍ يَحْلِبُ الشَّاةَ وَيَقُمُّ الْبَيْتَ وَيَنْهَى عَنِ الْقِيَامِ لَهُ بِغَيْرَةٍ إسْلامِيَّه، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الأَمَةِ وَالْعَبْدِ وَلَوْ أعْجَمِيَّ اللُّغَاتِ وَيُحِبُّ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَيَجْلُسُ مَعَهُمْ وَيَعُودُهُمْ فِي الْحَالة الْمَرَضِيَّه، وَيُشَيِّعُ جَنَائِزَهُمْ وَيَزُورُ مَنْ فِي الْمَقْبَرَةِ مِن الأَمْوَاتِ يُقَدِّمُ أَصْحَابَهُ أَمَامَهُ وَيَقُولُ خَلُّوا ظَهْرِي لِلْمَلائِكَةِ الرُّوحَانِيَّه، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ وَيَقْبَلُ الْعُذْرَ وَيَمْزَحُ وَلا يَقُولُ إلَّا حَقًّا مِن الْكَلِمَاتِ يَرْكَبُ الْبَغْلَ وَالْفَرَسَ وَالْبَعِيرَ وَالْحِمَارَ وَيَرْدِفُ خَلْفَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ ذَوِي النُّفُوسِ الإِيمَانِيَّه، وَيَعْصِبُ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ الشَّرِيفِ لِفَقْدِ الأقْوَاتِ وَمَا شَبِعَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ ثَلاثَةَ أَيَامٍ سَويَهِّ، وَلَوْ شَاءَ لأَعْطَاهُ اللهُ مَا لا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ مِن الْعَطِيَّاتِ وَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ بَطْحَاءُ مَكَّةَ ذَهْباً فَأَبَاهَا بِزَهَادَةٍ بَاطنِيَّه، وَقَالَ أَجُوعُ يَوْماً وَأَشْبَعُ يَوْماً خَيْرٌ لِي مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الْفَانِيَاتِ وَكَانَ يَبْدَأُ كَلَّ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلامِ وَيُصَافِحُ أصْحَابَهُ بِالْمُصَافَحَةِ الْيَمِينِيَّه، وَلَمْ يُرَ يَوْماً مَادًّا رِجْلَيْهِ بَيْنَهُمْ فِي سَاعٍةَ مِن السَّاعَاتِ وَكَانَ يُطِيلُ الصَّلاةَ وَيُقْصِرُ الْخُطَبَ الْجُمُعِيَّه، وَيُحِبُّ التَّرْتِيلَ من القرأة وَكَثْرَةِ التِّلاوَاتِ وَيُكْرِمُ أَهْلَ الْفَضلِ وَيَتَأْلَّفُ أَهْلَ الْمَنَازِلِ الشَّرَفِيَّه، وَيُنْزِلُ الْكُلَّ عَلَى قَدْرِ مَرَاتِبِهِمِ الْحِسِّيَّاتِ وَالْمَعْنَوِيَّاتِ وَقَدْ جَمَعَ اللهُ فِيهِ سَائِرَ الأَخْلاقِ الْعَلِيَّةِ وَالآدَابِ الشَّرْعِيَّه، مِن الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالشُّكْرِ وَالصَّبْرِ للهِ فِي جَمِيعِ الْحَالاتِ وَالزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْعَفْوِ وَالْعِفَّةِ وَالْقُوَّةِ الْعْقَلِيَّه، وَالْفَصَاحَةِ وَالنَّصَاحَةِ وَالسَّمَاحِةَ وَالنَّظَافَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَاتِ وَالشَّفَقَةِ وَالْوَقَارِ وَالْهَيْبَةِ وَالْخَشْيَةِ الْقَلْبِيَّه، وَالْفِطَانَةِ وَالأَمَانَةِ وَحُسْنِ الأَدَبِ وَالسِّيَاسَاتِ وَهَاهُنَا قَدْ وَقَفَ بِنَا جَوَادُ الْمَقَالِ بَعَدَ أنْ أَخَذَ يُجَارِي فَوَارِسَ الْبَلاغَةِ فِي الْحَلْبَةِ الْبَيَانِيَّه، فَأَمْسَكْتُ الْعَنَانَ بِالْبَنَانِ وَحَمِدْتُ اللهَ عَلَى مَا مَنَحَ مِنْ الْهِبَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

اللوح الخامس عشر

فَلْنَرْفَعْ بَعْدَ كَمَالِ نَسْجِ بُرُودِ هَذِهِ الأَنْبَاءِ الْمَوْلِدِيَّه، أَكُفَّ الإبْتِهَالِ إلَى مَنْ وَعَدَنَا بِالإجَابَةِ مِنْ بَعْدِ الدَّعَوَاتِ فَنَقُول:ُ نَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِذَاتِكَ وَصِفَاتِكَ وَأْسْمَائِكَ الْعَلِيَّه، وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتِمِ دِيوَانِ النُّبُوَّاتِ وَعُمُومِ الدِّيَانَاتِ أنْ تَشْغَلَنَا بِطَاعَتِكَ وَمَحَبَّتِكَ فِي جَمِيعِ الأوْقَاتِ الْعُمُرِيَّه، وَأنْ لا تَجْعَلَ لِلشَّيْطَانِ علَيْنَا سِبِيلًا فِي جَمِيعِ الْحَالاتِ وَأنْ تَقْهَرَ أَعْدَاءَنَا مِن الْعَوَالِمِ الْجِنِّيَّةِ وَالإنْسيَّه، وَأنْ

تَلْطُفَ بِنَا فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَأنْ تَعَافِيَنَا مِن الأمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ وَالرُّوحِيَّه، وَأنْ تُوَفِّقَنَا لامْتِثَالِ الأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَأنْ تُغْنِيَنَا بِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ غَنَاءَكَ لأوْلِيَائِكَ أَرْبَابِ الْخُصُوصيَّه، وَأنْ تَكْسُوَنَا جَلابِيبَ الْعِصْمَةِ فِي جَمِيعِ الأنْفَاسِ وَاللَّحَظَاتِ وَأنْ تَجْعَلَنَا أَهْلًا لِلْجُلُوسِ عَلَى مَوَائِدَ الْحَقَائِقِ الْفَتْحِيَّه، وَأَنْ تُخَلِّقَنَا بِأَخْلاقِ نَبِيِّنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ وَأَنْ تُشَوِّقَنَا إلَى شُهُودِ حَضَائِرِكَ الشُّهُودِيَّه، وَأَنْ تُطَهِرَنَا بِنُورِ عِلْمِكَ مِنْ حَدَثِ الْجَهَالاتِ وَأَنْ تُعَرِّفَنَا بِكَ مَعْرِفَةً كَشْفِيَّةً ذَوْقِيَّه، وَأَنْ تَهَبَ لَنَا مِن مَوَاهِبِكَ مَا يُوصِلُنَا إلَى التَّحَقُّقِ بِحَقَائِقِ الذَّاتِ وَأنْ تُحْسَنَ خَاتِمَةَ آجَالِنَا عِنْدَ غُرُوبِ شُمُوسِ أَرْوَاحِنَا مِن الْهَيَاكِلِ الْجُسْمَانِيَّه، لِلاتِّصَالِ بِالْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ يَا اللهُ يَا اللهُ يَا سَامِعَ الأَصْوَاتِ اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ مُطَرِّزَ حِبَرِ مَوْلِدِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِرَازَ الْحُلَّةِ الْعِرْفَانِيَّه، الْفَقِيرَ إلَيْكَ عَبْدَ الْمَحْمُودِ بْنُ الشَّيْخِ نُورِ الدَّائِمِ الطَّيِّبِيَّ القَادِرِيَّ السَّمَّانِيَّ مُشَاهِداً جَمَالَ ذَاتِكَ عَلَى مَمَرِّ الأزْمَانِ وَالأَوْقَاتِ هَادِياً بِكَ إلَيْكَ عَلَى بَصِيرَةٍ نُورِيَّه، خَارِقاً بِكَ فِي سَيْرِهِ لِجَمِيعِ الْعَادَاتِ مَغْفُوراً لَهُ مَا جَنَاهُ مِن الذُّنُوبِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّه، مَحْمِيًّا بِحِمَايِتِكِ مِنْ الأَهْوَالِ وَالآفَاتِ مُلاحَظاً بِعَيْنِ عِنَايَتِكَ وَتَوْلِيَتِكَ فِي جَمِيعِ الأنْفَاسِ النَّفْسيَّه، وَاقَفاً عَلَى بِابِكَ فِي سَائِرِ الأُوَيْقَاتِ مُرَاقِباً لَكَ فِي السَّاعَاتِ اللَّيْلِيَّةِ وَالنَّهَارِيِّه، مُفْتَضاً أبْكَارَ أسْرَارِ لمِحَ اتِ نَفَحَاتِ الْمُشَاهَدَاتِ شَارِباً مِنْ كَوْثَرِ تَسْنِيمِ الرِّسَالَةِ الأحْمَدِيِّه، لاحِقاً بِالَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِ كَ اللَّدُنِّيَاتِ مُوَفَّقاً بِرُوحِ الأَرْوَاحِ علَى وَفْقِ التَّجَلِّيَاتِ الْمُحَمَّديَّه، رَاقِياً بِمِعْرَاجِ الْعِنَايَةِ إلَى سَمَاءِ أَسْرَارِ تَجَلِّي النِّهَايَاتِ وَعُمَّ مَنْ انْتَمَى إلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ السَّرْمَدِيَّه، وَأَوْلادَهُ وَإخْوَانَهُ وَأخْتَانَهُ وَأصْحَابَهُ وَمُحِبِيهِ فِي سَائِرِ الْجِهَاتِ وَنَتَوَسَّلُ إلَيْكَ فِي قَبُولِ ذَلِكَ بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّلمَ قِبْلَةِ تَجَلِّيَاتِكَ الذَّاتِيَّه، وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ أحْرَزُوا قَصَبَاتِ السَّبْقِ فِي مِضْمَارِ تَبْلِيغِ سُنَّتِهِ فَفَازُوا بَأَقْصَى الْغَايَاتِ وَبِكَ وَبِهِ نَسْأَلُكَ أنْ تُصَلِيَّ عَلَيْهِ صَلاةً دَيْمُومِيَّةً قَيُّومِيَّةً إلَهِيَّةً رَبَّانِيَّه، وَآلِهِ وَأص حَابِهِ مَا تَوَاجَدَ النَّادِي لَدَى تِلاوَةِ مَوْلِدِهِ بِصَبَابَاتٍ أَوْ عُطِّرَتِ الأفْوَاهُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ فِي الْغَدَاةِ وَالْعَشِيَّه، أو وُجِّهَتْ آلَةُ الْفِكْرِ إلَى مَا لَهُ مِن الْمَحَاسِنِ الذَّاتِيَّةِ وَالصِّفَاتِ

يَا رَبِّي صَلّي عَلي الذّاتِ اَلْمُحَمَّديَّةِوَرَقُنا بِبَرَكَتِها اَلي كامِلُ الدَّرَجاتِ

{ انتهى تأليفه في 15 رجب مضر الحرام سنة 1329 ه }